ويزور الشيخ مصطفى عبد الرازق طه حسين ويتحدثان عن الأخبار الواردة من لندن، لقد عرض أعضاء الوفد التحفظات التي أبدتها البلاد على قواعد الاتفاق المطلوب، وأهم هذه التحفظات ضرورة النص على إلغاء الحماية، ولكن إنجلترا لم تقبل ونتيجة لذلك قطع المصريون المفاوضات وغادروا لندن إلى باريس.
في 26 فبراير 1921 تظهر بريطانيا الرغبة في حل المشكلة المصرية فترسل إلى السلطان فؤاد دعوة ليرسل وفدا رسميا للتفاوض معها في شكل العلاقة «التي تحل محل الحماية البريطانية، فإن هذه الحماية لم تعد نظاما مرضيا.» وعلى هذا الأساس قبلت مصر التفاوض، ولكن تأليف وفد المفاوضة أصبح موضوع خلاف جعل يشتد اشتدادا خطيرا، إن رئيس الوزراء عدلي باشا يكن يرى أن الطبيعي أن يرأس رئيس وزراء مصر وفد مصر الرسمي إلى إنجلترا، على أن يضم هذا الوفد الرسمي ممثلين للوفد المصري الذي يرأسه سعد باشا زغلول، وسعد باشا زغلول يرى أنه هو الذي وكلته الأمة ليعمل للحصول على استقلالها التام، فهو المطالب برئاسة أي وفد يفاوض الإنجليز لكي يكون الاستقلال التام هو النهاية الوحيد المقبولة لهذا التفاوض. إنه يقول إن السلطان هو الذي يعين رئيس وزراء مصر، ولكن السلطان لا يملك أن يأمر في هذا الشأن بغير ما يراه الإنجليز، فكيف يرأس رئيس الوزراء المصري - وأمر تعيينه في مركزه هو إذن بيد الإنجليز - كيف يرأس وفدا هدفه إخراج الإنجليز من البلاد؟
ويصر عدلي باشا على السفر إلى لندن للتفاوض ومعه وفد رسمي، يصدر السلطان أمرا بتشكيله في 19 مايو 1921 لا يضم أحدا من أعضاء الوفد المصري. •••
ويقبل خريف 1921، وقد أتمت السيدة سوزان شهور حملها الثاني وحضرت والدتها من باريس لتكون إلى جوارها وقت الولادة، وفي الثامن من سبتمبر تحس بآلام الوضع فيحضر الطبيب إلى شارع الحواياتي في أول الصباح. يطمئن الوالد والوالدة، ولكن الساعات تمر بطيئة ثقيلة ترهق الوالد بالقلق والمخاوف، قلبه موزع بين صغيرته أمينة وهي جالسة بجواره وبين زوجته التي تعذبه آلامها المتزايدة عذابا لا يعرف كيف يمنع أسبابه، حتى يخرج الطبيب بعد الظهر ضاحكا مبتهجا، يبشر طه حسين بأنه أصبح والدا من جديد.
وعندما يمسك طه بيدي زوجته ويسمعها تهمس سعيدة «إنه ولد» يرد عليها: إذن هو «مؤنس». وتقرب المولود منه وقد انتهى القلق والخوف، وهما ينتبهان إلى الصغيرة التي دخلت الغرفة تبتسم وهي تحس بأبويها سعيدين، وتتطلع في شغف إلى رؤية المولود.
الوالد يحمل ولده في الشهر الثالث من عمره بين ذراعيه، يسير به ينشده قصائد من الشعر العربي القديم، ولكنه مضطر إلى أن يعيده إلى والدته أسفا لأن الشيخ مصطفى عبد الرازق قد حضر للزيارة.
إن الأخبار الواردة من لندن تفيد بأن وزير الخارجية اللورد كيرزون قدم لعدلي باشا مشروعا لا يمكن قبوله، وإن عدلي باشا رفض المشروع فعلا، وإنه يعود الآن إلى مصر، وسيقدم استقالته للسلطان بمجرد وصوله إليها.
وبريطانيا تقرر - بناء على نصح مندوبها السامي في مصر الفيلد مارشال لورد اللنبي - استعمال أقصى الشدة مع أهل البلاد. يقوم المندوب السامي بإبلاغ السلطان أن مصر واقعة على خط المواصلات الرئيسي بين بريطانيا وممتلكات جلالة الملك في الشرق، ولذلك فإن جميع الأراضي المصرية ضرورية لهذه المواصلات!
ويرسل الإنجليز إلى سعد باشا زغلول وإلى أعضاء الوفد المصري أمرا كتابيا بعدم الاشتغال بالسياسة بتاتا وبالذهاب إلى بلادهم والبقاء فيها تحت رقابة مدير كل مديرية.
ويرد سعد باشا في 21 ديسمبر 1921 قائلا: «سأبقى في مركزي مخلصا لواجبي، وللقوة أن تفعل بنا ما تشاء أفرادا وجماعات.» ويرد بقية أعضاء الوفد برد مماثل.
وفي 23 ديسمبر 1921 تقبض قوة عسكرية بريطانية على سعد وزملائه فتح الله بركات ومصطفى النحاس وسينوت حنا وعاطف بركات ومكرم عبيد، وتأخذهم، عن طريق السويس، بحرا إلى منفاهم في جزيرة سيشل في المحيط الهندي.