لقد ملئ العالم بالمعجزات
ولكن لا أشد إعجازا من الإنسان
هو الذي يستعين بالهواء العاصف على أن يطير ... بعد أن اتخذ للسفن أجنحة
فيعبر البحر المتلاطم وهو يبيض من حوله
هو الذي يستخدم الخيل والمحراث ليمزق في كل سنة جوف الأرض
هو الإنسان
يوقع في ثنايا شباكه أنواع الطير الهوج، وأنواع الحيوان المفترس، وبنات البحر
يذلل بمهارته أشد سكان الغابات وحشية
ويستخدم لسلطانه السوابق ذات الأعراف العراض ... تأبى على من يريد تذليلها
تعلم المنطق، وعرف مذاهب الريح، أدرك سلطان القوانين على المدن
عرف كيف يقي مساكنه سهام البرد والرطوبة
ستر كل شيء بتجربته، ووجد من الحيل ما يتقي به أحداث الزمان
واستكشف ما يحول بينه وبين أشد العلل قسوة وأعظمها فتكا
الموت وحده هو العلة التي لم يستطع أن يجد منها محيصا ...
والأستاذ يتوقف معهم - في نفس القصة - عند الأبيات التي ترد على لسان «الملك كريون»
6
عن شخصية الحاكم، يقول: «ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاءه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها ... أما أنا فأعتقد أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا يقف نفسه على النصح للدولة والتضحية بكل شيء في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ذلك، أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت، ولا أستطيع إلا أن أزدري ذلك الذي يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن.»
كما يتوقف الأستاذ طه بتلاميذه عند الصفحات المثيرة التي يدور فيها الحوار بين الملك كريون وولده هيمون، يقول فيها الفتى لوالده: إنه لا طاعة للحاكم إن هو حاد عن حكم العدل والرحمة، ولا طاعة للأب على ولده «الذي يحبه بل يتفانى في حبه» إذا ترك الأب طريق العدل إلى طريق الاستبداد. •••
وفي أول سبتمبر 1920 يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق - الذي أصبح أستاذا للفلسفة في الجامعة - لطه حسين: إن الأخبار الواردة من لندن تفيد أن المباحثات قد انتهت إلى مذكرة بقواعد اتفاق بين مصر وبريطانيا، وأن الوفد المصري رأى «أخذا بالأحوط واستمساكا بنص الوكالة على إطلاقه ألا يبت في الموضوع برفضه أو بقبوله ... حتى يعرض الأمر على البلاد ...» ولذلك فإنهم قد بعثوا أربعة منهم إلى مصر للتشاور، وطه حسين سعيد بهذا الخبر كل السعادة لما فيه من دلالة، أولا: على أن الإنجليز قدموا عرضا يقبل المناقشة، وثانيا: لما فيه من دلالة على أن سعد باشا والزعماء المصريين حريصون على مبدأ التشاور وعلى الرجوع دائما إلى الأمة.
وهناك خبر آخر مفرح، وهو أن طلعت حرب باشا شارع في إنشاء بنك لمصر، وهو حريص على أن يجمع ثمن الأسهم كلها من المصريين من جميع الطبقات بمن في ذلك الأساتذة وطلاب الجامعة، بل إن بنك مصر قد باع سهما لأخيه عبد المجيد، أي أن البنك يجمع قيمة الأسهم حتى من تلاميذ المدارس لإشعارهم بأهمية إنشاء هذا البنك المصري بأيدي المصريين. طه حسين يقول إن الاستقلال، على أهميته وخطره، هو عمل سلبي ينحسر به سلطان الأجنبي عنا، ولكن العمل الإيجابي هو الذي يبني البلاد، إن البلاد إنما تبنى بالعلم والعمل في كل ميدان.
وخبر آخر يدل على امتداد اليقظة إلى كل أفراد شعب مصر: إن السيدة هدى شعراوي وعضوات الاتحاد النسائي المصري الذي ترأسه غاضبات لأن الوفد المصري لم يطلب رأيهن في مشروع المعاهدة المعروض من الإنجليز، وهن مع ذلك يدرسن المشروع ويبرزن فيه عيوبا يحددنها ويقررن إعلانها.
7
وتطلب مجلة الهلال إلى طه حسين أن ينشر فيها فصولا عن «قادة الفكر»، فيوافق مسرورا لأنه يريد دائما أن يشرك عامة القراء في دراساته وبحوثه كلما استطاع، وهو سيحدث قراء الهلال إذن عن سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس والإسكندر ويوليوس قيصر، ولكنه سيحدثهم أيضا عن الشاعر هوميروس فإنه يرى للشعر أهمية كبرى، وهو يسأل: «هل كانت توجد الحضارة اليونانية لو لم توجد البداوة اليونانية التي سيطر عليها شعر هوميروس وخلفائه؟ وهل كانت توجد الحضارة الإسلامية التي ظهر فيها من ظهر من الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها هؤلاء الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟» •••