تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي اليوم التالي، بعد ساعة يلتقي فيها الوالدان لقاء طويلا وسعيدا يهنئ طه حسين ابنته وصهره بخطبتهما، وتهنئهما أمها، ويدور حديث حول موعد الزواج، والعروسان يريدان زواجا بسيطا وعاجلا.

وفي أثناء الحديث تصل برقية من الحكومة اللبنانية تقدم الدعوة لطه حسين بصفته الشخصية ليشترك في مؤتمر اليونسكو ضيفا على لبنان، وتمر لحظات لا يعلق فيها طه حسين على الدعوة، إن بلاده عزيزة عليه دائما وأهله كرام لديه في كل الأوقات، ولكنه يرى الآن أن بلاده هي كل البلاد العربية وأن أهله هم العرب أجمعون، وتلح عليه أمينة وخطيبها في أن يرد بالقبول. •••

ويصل طه حسين إلى لبنان في نوفمبر عام 1947 ضيفا على حكومة لبنان.

وفي الصالة التي شيدتها لبنان خصيصا لانعقاد «مؤتمر اليونسكو» يجلس طه حسين على المنصة العالية، وحيدا بغير مذكرات أو أوراق أو سكرتير، مطلا على الجمهور الذي ملأ القاعة على اتساعها وفاض عنها إلى الطريق.

طه حسين ينتهي من خطابه عن «أثر الحضارة العربية في الحضارة الغربية»، القاعة تضج بالتصفيق الحاد، ومدير عام هيئة اليونسكو مسيو «توريز بوديه» يتقدم إلى المنصة لينزل مع طه حسين إلى القاعة، ويقبل على المحاضر للتحية والتهنئة كثيرون، منهم «جوليان هكسلي» العالم البريطاني، وأعضاء الحكومة اللبنانية، وأعضاء الوفد المصري والوفود العربية، الجميع يهنئون ويتحدثون فيما بينهم بإعجاب كبير ... وزوجته تنتظر لتخرج معه وتقول له: «لقد تألمت وفي صمت عندما عرفت أنك لن تكون من بين ممثلي الثقافة المصرية في مؤتمر اليونسكو، والآن أدرك أنك قد تجاوزت ذلك إلى تمثيل الثقافة العربية كلها، والمشاركة المشرفة في الحياة الثقافية في العالم كله.»

ويقول طه حسين لزوجته: «لبنان جميلة، كنا نحب أن نبقى مدة أطول، ولكن لا بد من العودة للإعداد لزواج أمينة.» •••

في منزل طه حسين بالزمالك 12 يونيو 1948 يحتفل بزواج أمينة.

الشيخ عبد المجيد سليم يعقد العقد، والشاهدان هما مصطفى النحاس باشا وأحمد لطفي السيد باشا، ويشهده كذلك المستشار إبراهيم الزيات وعبده حسن الزيات المحامي، ويخرج العروسان من الحفل بسرعة إلى المستشفى القبطي في القاهرة ليزورا والد العريس الذي كان قد وصل مع زوجته إلى القاهرة لحضور حفل الزفاف ولكنه أحس في محطة القاهرة بتعب مفاجئ فنقل إلى المستشفى القبطي، وذهبت زوجته معه، وأجريت له جراحة عاجلة هناك، وقد ألح على ولده وعلى الدكتور طه حسين عندما زاراه في المستشفى كي يتم عقد القران في موعده، وهو يبدو الآن في حالة معنوية طيبة يقبلهما، وتباركهما وتقبلهما الأم، وهما يريدان أن يرجئا السفر لقضاء شهر العسل في الخارج حسبما كان متفقا عليه حتى يغادر الوالد المستشفى، ولكنه يطلب منهما في إلحاح عدم تغيير برنامجهما، ويرجو لهما سفرا طيبا وعودة سريعة ليسعده استقبالهما في منزل الأسرة في دمياط.

في ميناء الإسكندرية وفوق ظهر السفينة «إسبريا» يصل رسول إلى السفينة يبلغ العروسين بما حدث: انتكس الوالد فجأة ونادى في الليل زوجه وطلب منها كوب ماء وشرب منها جرعة وابتسم ونام وتخيلت زوجه أنه قد نام، ولكن قضاء الله كان قد وقع، استعاد الله وديعته، أمينة تخلع ملابس العرس وتلبس ملابس الحداد، ينزل العروسان من الباخرة، ليسافرا إلى بيت الأسرة في دمياط. •••

ويقبل يناير من عام 1949 ويقرأ فريد سكرتير طه حسين عليه الصحف ثم الخطابات، إن أهم الأخبار هو أن رالف بانش وسيط الأمم المتحدة قد نجح في وقف إطلاق النار في فلسطين.

وأهم الخطابات خطابان: الأول إخطار بأن الحكومة المصرية قد منعت نشر كتاب «المعذبون في الأرض» وقررت مصادرته، والثاني بأن «الكوليج دي فرانس»، التي كانت قد دعت طه حسين للمحاضرة فيها خلال عام 1949، قد قررت سحب دعوتها له.

ما بعد الأيام · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٧٩