يصدر عدد أغسطس وعدد سبتمبر، ولكن محاولة إبقاء «الكاتب المصري» في الوجود تفشل، أصحاب المجلة مصممون على إغلاقها هي ودار النشر التابعة لها، طه حسين يملي الكلمة الأخيرة في العدد الأخير الذي تتوقف المجلة بعده عن الصدور، يمليها على حسن محمود في أسى شديد، يقول: «لقد أرجف المرجفون والذين يسرهم الطعن في طه حسين والذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس، وقالوا إن مجلة الكاتب المصري قد صدرت لنشر الصهيونية، والآن وقد انتهى عمر المجلة فإن أعدادها كلها بين يدي القراء، فهم لا يرون فيها إلا دفاعا عن مصر والعروبة وخدمة لهما بقدر الوسع والطاقة.»
وحسن محمود يقاطع ويقول: «والكتب التي نشرتها الدار هل فيها إلا ما يخدم مصر والعرب والعروبة والثقافة العربية؟ والمقالات التي نشرتها المجلة للأستاذ سيد قطب وللأستاذ سعيد العريان وللسيدة بنت الشاطئ والأستاذ سامي الدروبي والأستاذ عبد المنعم مراد وغيرهم وغيرهم، هؤلاء جميعا صهيونيون؟!»
ويسأل طه حسين: «هل لديك قائمة بالكتب التي نشرناها؟»
ويقرأ حسن محمود قائمة ببعض هذه الكتب.
يقول طه حسين: «ترجمنا إلى اللغة العربية إذن عن الإنجليزية والألمانية والفرنسية والفارسية، وقدمنا موسوعة قانونية ضخمة لعبد العزيز باشا فهمي، وترجمة عن أندريه موروا للشيخ الأستاذ عبد الحليم محمود، ونشرنا كتبا عربية لأعلام مثل الجاحظ وغيره، لقد التزمنا بما عاهدنا عليه قراء العربية فوصلناهم بعصورنا العربية والإسلامية الزاهية من جهة، وبهذا العصر الحديث الذي نعيش ويعيشون فيه من جهة أخرى.»
حسن محمود: «وحاولنا أن نضع مثلا عاليا في الترجمة وأمانتها، وفي النشر ودقته، وفي التأليف وارتفاع مستواه، وكذلك في معاملة الأدباء واحترام القراء.»
ويقول طه حسين بعد صمت قصير: «إن أصحاب الدار لم يؤدوا كل حقوق المؤلفين والمترجمين، وقد طلبت إلى نجيب الهلالي رفع دعوى لنحصل لهم على كل حقوقهم، وقد فعل.» •••
في خريف سنة 1947، تتهدد الكوليرا مصر، الخطر يتزايد، أمينة تريد أن تتطوع للعمل مع سيدات الهلال الأحمر في مكافحة الوباء، طه حسين يتذكر الوباء القديم الذي أودى بحياة أخيه محمود، وكان محمود قد تطوع كذلك لمقاومة الوباء، ولكنه لا يحاول إقناع ابنته بعدم التطوع.
أمينة تعمل مع سيدات الهلال الأحمر في قسم الدرب الأحمر بالقاهرة، وفي آخر أكتوبر 1947 كان معدل الوفيات المعلنة أربعمئة شخص يوميا، غير المتوفين الذين كان أهلهم يخفونهم خوفا من إجراءات الحكومة. الوباء يستشري في الريف، تسافر بعض سيدات الهلال الأحمر إلى الصعيد وتسافر أمينة معهن، البعثة تدخل الطمأنينة على نفوس نساء الصعيد فيقبلن التعاون مع سيداتها، وفي آخر نوفمبر يهبط عدد ضحايا الكوليرا من أربعمئة شخص إلى عشرين شخصا، وتعود أمينة مع بعثة الهلال الأحمر إلى القاهرة بعد أداء المهمة التي سافرت لأدائها. •••
وفي بيت الأسرة بالزمالك تقرأ أمينة لوالدها صحف الصباح، لقد نشرت أسماء الوفد الذي ألفته الحكومة المصرية ليشترك في مؤتمر اليونسكو الذي سوف يعقد في بيروت، واسم طه حسين لم يرد بين أسماء أعضاء هذا الوفد.
وتقول أمينة لوالدها: «أنت كما ترى لا تصلح الآن لتمثيل مصر في مؤتمر لليونسكو، وإن كانت دول العالم قد سبق أن انتخبتك رئيسا للجنة الأدبية في عصبة الأمم منذ سنين.»
ويرد طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة: «إذا كانت مصر هي الملك، فإنني لا أمثل مصر طبعا. المهم هو عشاء الليلة، قد دعوت الدكتور الزيات للعشاء.»
على مائدة العشاء في منزل طه حسين أفراد الأسرة ومعهم محمد حسن الزيات، يقول الدكتور الزيات في آخر العشاء: «والدي وأخواي إبراهيم وعبده يحضرون من دمياط غدا، ويرجون زيارتكم في نفس اليوم إن أمكن ...»