طه: «نسخة مخطوطة من اللزوميات؟! ليس لدينا نسخة مخطوطة! واللزوميات أنت قطعا لا تستطيعين أن تفهميها وحدك لا أنت ولا كثير غيرك من الشباب اليوم، يجب أن نترجمها لكم إلى العربية!»
وتتساءل أمينة: «إلى العربية! وفي أي لغة هي إذن؟!»
ويرد طه: «هي في لغة أبي العلاء، سأترجمها إلى العربية التي يفهمها أمثالك، وسأسمي الترجمة «صوت أبي العلاء».»
وتنهض أمينة وهي تقول: «نترك هذا الآن، هذا أوان «الطورطة»!»
وتنصرف وتعود بكعكة عليها شموع وتقول: «عليك يا أبي أن تطفئ هذه الشموع.»
ويقول الشيخ مصطفى: «أبوك يا ابنتي لا يجيد إلا إيقاد الشموع.»
ويرد طه: «أحيانا لا بد أن نهدم لنبني ... هل تذكر ما سمعنا ونحن في الأزهر؟ كانوا يقولون: «الحق هدم الهدم».»
ويقول الشيخ مصطفى: «نعم، كان هذا منذ زمن طويل، والآن اسمحي لي يا أمينة أن أبدأ فأتمنى لأبيك أن يصل إلى سن المئة وخمسة وخمسين. إن أباه الشيخ حسين - رحمه الله - وصل إلى سن المئة وخمسة، وقانون التطور يقضي بأن نتفوق على آبائنا، أليس كذلك؟» ولا ينتظر ردا ولكنه ينهض ليقدم إلى طه حسين السبحة التي يحملها ويقول: «وهذه سبحة أرجو أن تذكرك بهذا العشاء الصغير الجميل.»
ويرد طه متأثرا: «إنك لتعلم أنك وأنا إنما نطلب العمر العريض وليس العمر الطويل.»
وتقول أمينة: «الآن نطفئ الشموع، وعندي بعد ذلك رسائل للسيد الأستاذ العميد.
الأولى من السيدة حرم الدكتور طه حسين: ترسل لك هذه القبلات وتقدم هذه الهدية.» تقبله وتقدم له الهدية، ويتسلمها طه حسين بتأثر، «والثانية من طالب مدرسة النورمال المرشح لدرجة الأجريجاسيون، السيد الأستاذ مؤنس طه حسين، قبلات كذلك، وهذه الهدية»، تقبله وتقدم الهدية، «والثالثة مني أنا، قبلات أيضا، ولك قلبي كله وهذا المخطوط ...»
طه :
ما هذا المخطوط؟
أمينة :
مخطوط مؤلف من أصدقائك.
الشيخ مصطفى :
يتناوله وينظر فيه ويقول: هذه لزوميات أبو العلاء، هذا مخطوط مغربي، هذا مخطوط ثمين (يسلمه لطه حسين) ، أحسنت الاختيار يا ابنتي.
ويقول طه حسين: «أولا من أين لك المال؟ ثم من دلك على هذا المخطوط؟»
وترد أمينة: «نعم، أنت تسأل وأنا أجيب، عن السؤال الأول فإنك تذكر أسهم شركة الجوت المصرية التي اشتريتها لي عند حصولي على درجة الليسانس، أليس كتاب أبي العلاء أحسن من الجوت؟ والمخطوط جميل ولكنه ليس قديما جدا ولا ثمينا جدا، نسخ في مدينة فاس سنة ألف ومئة للهجرة حسب ما هو مكتوب فيه. وعن السؤال الثاني فقد ساعدني في البحث عن هذه الهدية أحد تلاميذك، محمد حسن الزيات، لقد أقسم لي أن هذا المخطوط هو كتاب اللزوميات، وأقسم لي كذلك أنه مكتوب حفر عليه اسمك. ولا قبلات.»
ويقول طه: «ولكن محمدا في إنجلترا، في أكسفورد.»
وترد أمينة: «ساعدني قبل سفره. وعلى فكرة هديته لك علبة سجائر حفر عليها اسمك باللغة العربية رغم هذا الخط المعقد ... ولا قبلات!»
ويقول طه حسين: «وأنت أخفيت المخطوط كل هذه المدة؟! تعالي هنا لأقبلك، أخفيته كل هذه المدة، ماذا أخفيت أيضا؟ وعلى فكرة في مجلة الكاتب المصري سيكون عليك أنت أن تقدمي للقراء أهم مباحث الدوريات الغربية.»
وتسأل أمينة: «تعني الفرنسية؟»
ويرد طه: «لا، أعني الغربية، كل ما يتيسر نقله من صحف الغرب، هذا غير صعب عليك، وسيكون لدينا في المجلة باب مماثل للدوريات العربية والشرقية، فإننا نريد أن نصل القارئ المصري بالكتاب والصحيفة العربية والشرقية والغربية، بالصحيفة في كل مكان.»
وينهض الأستاذ مصطفى عبد الرازق مستأذنا في الانصراف وهو يهنئ من جديد، وينصرف وهو يقول إنه ينتظر بفروغ صبر العدد الأول من مجلة «الكاتب المصري».
| الكاتب المصري
في دار الكاتب المصري: طه حسين يستمر في إملاء «البرنامج» الذي قرر أن يقدم به المجلة إلى القراء، يقول: «هذه المجلة لا تريد إلا أن تكون أداة من أدوات مصر ...»