وتقول أمينة لأبيها - بعد إغلاق الراديو: «الحمد لله! لكن هذا النصر لم يتحقق إلا بمصرع آلاف الشباب ووقوع آلاف الكوارث، ما أعظم جريمة الطغاة! كيف نحمي الحرية والكرامة البشرية في نفس الوقت الذي نحمي فيه الأجيال القادمة من أمثال هذه المجازر؟»
ويرد طه حسين: «هذا يا ابنتي هو السؤال كما يقال: كيف يحيا الناس حياة فاضلة؟ كيف يحققون دنيا الحرية والعدل؟ وكيف يعيشون بها؟ وكيف السبيل إلى صيانتها دون أن تضطر الشعوب المسالمة إلى أن تقابل بالعنف عنف المعتدين؟»
ويتوقف طه حسين برهة ثم يقول: «ستعود الآن المواصلات مع أوروبا، ويتمكن أخوك من السفر لباريس للدراسة لدرجة الأجريجاسيون.»
وتسأل أمينة: «ولماذا لا يدرس للدكتوراه؟»
ويرد طه حسين: «أريده أن يحصل على الأجريجاسيون أولا رغم أنها أصعب، إنني لم أرد لك أنت أيضا أن تختاري الطريق السهل، لم تكن الدراسات اليونانية واللاتينية - التي اخترتها لك - أسهل الدراسات! وعلى فكرة أين بلغت في بحثك للماجستير؟ هل انتهيت من قراءة ما كتبه الشاعر الألماني جوته عن موضوعك، عن قصة أفيجينيه؟»
وترد أمينة: «نعم، ولكن الموضوع كما تعلم صعب بشكل يرضيك! وعلى فكرة مطلوب مني محاضرة عامة حول هذا الموضوع وقد تورطت وقبلت، ولكنني أموت خجلا وخوفا من مواجهة الجمهور.»
ويقول طه حسين: «هذا لأنك تحترمين سامعيك، هل تظنين أني لا أحس الرهبة حتى الآن عندما أواجه جمهورا أحترمه؟»
أمينة: «أنت؟! طه حسين ؟!»
ويرد: «بكل تأكيد، وعلى فكرة ألا تريدين استكمال دراستك في الخارج بعد أن يفتح الطريق لأوروبا؟»
وترد أمينة: «بل أبقى هنا في بلدنا، إلى جوارك، وأين في الخارج أستاذ مثلك؟»
وتعود المواصلات مع أوروبا بعد شهور، ويستعد مؤنس للسفر مع والدته إلى فرنسا فقد قبل طالبا في مدرسة النورمال، إحدى المدارس العليا الكبيرة في فرنسا.
والسيدة سوزان لا تكاد تصدق أن الحرب قد انتهت، وأنها انتهت بهزيمة النازية، وأنها سترى باريس حرة.
تتردد في السفر وترك زوجها في القاهرة، ولكنه يقول لها: «لقد سافرت وتركتني من قبل، على أنك في هذه المرة لا تتركيني وحدي، أنت تتركيني مع أمينة، وستعتني بي وأعتني بها، وسنأكل معا كل الحلاوة الطحينية التي في مصر!»
ويحل يوم عيد ميلاد طه حسين السادس والخمسين في الرابعة عشر من نوفمبر 1945، ويزوره الشيخ مصطفى عبد الرازق، المرشح شيخا للأزهر الشريف، فيستبقيه للعشاء. ويجلس الثلاثة إلى مائدة زينتها أمينة في مناسبة عيد ميلاد أبيها.
ويقول طه حسين أثناء تناول العشاء: «هل تذكر أنني كنت أريد أن أصدر مجلة أدبية مع أخيك الشيخ علي؟»
ويرد مصطفى عبد الرازق: «نعم، وكنتم فكرتم في كل شيء وأعددتم لها كل شيء، كل شيء إلا المسائل التافهة مثل الإدارة والمطبعة والورق والتوزيع!»
طه حسين :
لقد استطعت أنت أن تثنينا، أنا وعلي، عن المشروع في ذلك الوقت، وذلك بإثارتك تلك المسائل التافهة.
مصطفى عبد الرازق :
ألم يكن ذلك هو عين العقل؟
طه :
العقل؟ لا، في الحقيقة أن العقل كان أن نصدرها، على كل حال سأصدر أنا هذه الصحيفة الآن، أو شيئا مثلها.
مصطفى عبد الرازق :
ألم تكفك متاعب جريدة الكوكب وجريدة الوادي؟ هل نسيتها؟
طه :
لا لم أنس، لم أنس المعلم متعهد الصحف الذي كان يتحكم في التوزيع، ولا الحكومة التي كانت تتحكم في المعلم، ولكن هل تعتقد أن كل هذه المتاعب لم تكن تذوب عندما كنا نعبر عن آرائنا ونوصلها لجماهيرنا؟ إنني أحس أنني في العمل الصحفي متصل مباشرة بنفس الجمهور وأعمل مباشرة في هذه النفس.
مصطفى :
أرجو على الأقل أن تكون قد أحسنت الاستعداد لإصدار المجلة هذه المرة.
طه :
في هذه المرة سيتكفل تاجر بالتوزيع، وسيكون للمجلة سكرتير للتحرير، أديب شاب ذكي ونشط، الأستاذ حسن محمود، سأتولى أنا مسئولية التحرير مع جماعة من الزملاء والتلاميذ لا يجوز أن نحرم العالم العربي من سماع أصواتهم ولا أن نحرمهم من أن يسمعوا أصواتهم للعالم: الدكتور محمد عوض، والأستاذ محمد رفعت، والدكتور سليمان حزين، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ سيد قطب، وكثير من الشباب.