تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بيت مري أيضا يتلقى طه حسين من مصر رسالة بأنه قد عين رئيسا لوفدها في احتفال المجمع العلمي السوري في دمشق بالعيد الألفي للشاعر أبي العلاء المعري، وفي دمشق يجتمع أعضاء الوفد الرسمي: الأستاذ أحمد أمين والأستاذ عبد الحميد العبادي والأستاذ أحمد الشايب، ويعرف طه حسين أن الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني قد حضر يمثل نقابة الصحفيين، وأن الدكتور عبد الوهاب عزام قد جاء ملبيا دعوة المجمع السوري؛ فيدعو الجميع إلى تكوين وفد واحد لمصر فيتم في دمشق تكوين هذا الوفد، ويأخذ أعضاؤه يتعاقبون في إلقاء أحاديثهم وبحوثهم طوال أيام المؤتمر، ويهدي الوفد المصري إلى المؤتمر كتابا طبعته مصر خصيصا في هذه المناسبة وهو «تعريف القدماء بأبي العلاء»، ويساهم الوفد أيضا باسم مصر في إنشاء مكتبة بسوريا خاصة لأبي العلاء.

وينتهي الاحتفال فيكتب طه حسين لوزير المعارف: «إن مصر تحسن كل الإحسان إلى نفسها وإلى البلاد العربية كلها إذا مضت في المشاركة في جميع المظاهر للحياة الثقافية والعلمية في العالم العربي.» •••

في النصف الأول من أكتوبر يستقبل طه حسين في منزله بالزمالك، مساء يوم من أيام الأحد، أصدقاءه وزملاءه وتلاميذه حسب عادته، يتحدث مع الدكتور حسين فوزي عن الموسيقى، وهو يريد أن تعنى مصر بالموسيقى الغربية كما لا بد أن تعنى بموسيقانا الشرقية، ويقول إن الأستاذ أمين الخولي يحدثه أن ابنته الآنسة سمحة شغوف بالموسيقى العالمية قد أتقنتها دراسة وأداء، والأستاذ أمين نفسه يقول إنه هو لا يفهم هذه الموسيقى إلا قليلا، وطه حسين يرى في ذلك دليلا على نجاح جيله وجيل أمين الخولي من الأساتذة، لأن التطور الذي عملوا من أجله قد تحقق.

يقول الدكتور كامل حسين: «نيران الحرب العالمية لم تزل مشتعلة، على أن انتصارات الحلفاء مستمرة، ترى هل يتقدم الحلفاء الآن صوب قلب ألمانيا؟»

ويرد طه حسين: «إن الأخبار الواردة من الخارج طيبة.»

ويقول الدكتور حسين فوزي: «أما «الواردة» من الداخل فليست كذلك فيما يظهر، سمعت أن هناك أزمة وزارية.»

ويرد طه حسين: «ومتى انتهت الأزمات الوزارية في مصر؟!»

وتدخل السيدة سوزان مبتسمة، فيعرف الحاضرون أن الوقت قد حان للانصراف ويستأذنون مودعين.

وتسأل سوزان: «ماذا كان يقول عن أزمة وزارية؟»

ويرد طه حسين: «إن الملك مصمم على إسقاط الوزارة، والنحاس باشا يرفض أن يستقيل.»

وتسأل: «وماذا يفعل الملك؟»

ويرد طه حسين: «يصدر مرسوما بإقالة الوزارة.»

وتسأل سوزان: «يقيل الوزارة؟ تترك وزارة المعارف إذن؟»

ويرد طه: «طبعا، على أنني سعيد لأنني أتممت بعض ما أريد؛ إن جامعة الإسكندرية قد أنشئت، وسوف تقوم بعدها جامعات أخرى في القاهرة وفي الأقاليم. وفي مراقبة الثقافة، أتممنا أعمالا لا بأس بها، وفي الوزارة خطونا خطوة هامة نحو تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل الطبقات بتقرير المجانية في أهم مراحل التعليم.»

وتسأل سوزان: «وجامعة الإسكندرية تتركها أيضا؟» ويجيب: «بالتأكيد، ولكنك تعلمين أنني كنت قد طلبت تعيين مدير متفرغ لها منذ أول هذا الصيف.»

ويسكت طه برهة ثم يقول: «إن الملك يقول إن طه حسين يريد أن ينشر التعليم لتحقيق غرض خبيث وهو زعزعة النظام الاجتماعي الحاضر.»

وتقول سوزان: «هذا كلام فارغ.»

ويقول طه حسين: «وهل يمكن أن يكون كلام الملوك فارغا؟! لكن لفظ «زعزعة» غير دقيق، إن المستهدف هو أن يقوم في مصر نظام اجتماعي جديد على أساس من الحرية والعدل.» •••

في يوم أول مايو 1945 يعلن الألمان مصرع هتلر، وتقول وسائل الإعلام إنه انتحر، ومن قبل ذلك بيومين قتل الغوغاء موسوليني في إيطاليا. جيوش الحلفاء تدخل برلين، تستسلم ألمانيا. وفي يوم 8 مايو 1945 يعلن الحلفاء انتهاء الحرب في أوروبا.

ما بعد الأيام · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٧٢