ويقول طه حسين مبتسما في حنان: «سنعود أنا وأمك من الإسكندرية لنكون في طليعة المشاهدين والمصفقين.» •••
وفي القطار تقول السيدة سوزان: «إن الأستاذ شفيق مترى طلبك هذا الصباح تليفونيا بعد خروجك.»
ويقول طه حسين: «نعم، تكلم معي بعد ذلك، كان يستشيرني في فكرة إنشاء سلسلة كتب شعبية بأقلام عدد من الكتاب من كل أرجاء الوطن العربي ليقرأها العرب في كل البلاد.
وقد قلت له: إن العرب الذين تراهم اليوم منقسمين يا شفيق، لن يجمع كلمتهم يوم تجتمع إلا نسيج فكري متجانس تنسج خيوطه أقلام كتابهم جميعا، بمثل هذا ستجتمع كلمتهم يوما بفضل الله.»
سوزان :
هل كلمك للاستشارة فقط؟
طه :
استشارني كذلك في اسم السلسلة، وطلب أن أكتب الجزء الأول من أجزائها، قلت له يسميها «اقرأ»، أول كلمة أنزلت من القرآن الكريم، ولهذه الحقيقة مغزاها الكبير، وقد وعدته بأن أقدم الكتاب الأول في السلسلة؛ قصة سأسميها «أحلام شهرزاد»، هي في ظاهرها أسطورة وفي حقيقتها حديث عن السلام والحرب، وعن الديكتاتورية والطغيان، عن الحكام والشعوب التي يلعب بها الحكام. أحلام شهرزاد هي في الحقيقة أحلامي أنا بعالم يتمتع بالمساواة والعدل والخير، فيعصم نفسه بذلك من الضلال والهلاك.
وتقول سوزان: «ما أروع هذا الكلام! يجيء في الوقت الذي تتتابع فيه انتصارات النازية ويسيطر فيها على الدنيا عنف السلاح.»
ويرد طه: «ولهذا فنحن في هذا القطار يا سوزان نريد ألا تنطفئ شعلة الحرية وألا يخبو نور الحضارة أبدا.»
وتسمع سوزان كلام طه حسين فلا ترد، بل تملأ عينيها الدموع.
ويستأنف طه الكلام يقول: «وسيضيء النور في باريس حتما، وسيعود النور يشع على الدنيا من باريس.» •••
تبدأ الدراسة في كليات جامعة الإسكندرية في الوقت الذي تدور فيه معارك الصحراء الغربية في عنف وشراسة.
وطه حسين، المنتدب مديرا للجامعة إلى جانب عمله مستشارا لوزارة المعارف، يجاهد في ظروف الحرب لكي تقوم الجامعة على الأساس الذي يرضاه، ظروف الحرب معناها قلة المال وصعوبة النقل وندرة الكتب والأدوات، فالعالم مشغول بصناعات الحرب، ولكن طه حسين حريص على أن تدبر الجامعة لطلابها الضروري من المعامل ومن المكتبات، وأن تعمل لتشجيع الحياة الرياضية والنشاط الثقافي داخل وخارج قاعات الجامعة.
والمدير المنتدب يعمل مع زملائه؛ وكيل الجامعة الأستاذ مصطفى عامر وعمداء الكليات والأساتذة ورجال الإدارة، على أن يصلوا بين الجامعة ومدينتها،
1
يدعو سراة المدينة وأصحاب الأعمال الكبرى فيها إلى المساهمة في إنشاء الجامعة بالمال والمعونة، فينجح إلى حد لا يقنع به فهو يطالب بالمزيد، يريد من أهل الإسكندرية أن يساهموا في الاهتمام بدراساتهم المتصلة بمدينتهم، سواء منها ما اتصل بحياتها في الماضي مستهدفا إلقاء المزيد من الضوء على مساهمتها في الحضارة العالمية، أو في المستقبل مستهدفا تنميتها وترقيتها ماديا وحضاريا.
وطه حسين راض بما يلقاه من نجيب باشا الهلالي وزير المعارف، ومن مصطفى باشا النحاس رئيس الوزراء؛ من عون، وبما يلقاه من مساعديه في الجامعة نفسها من حماس وإقبال على العمل.
وبانتهاء العامين الأولين من أعوام جامعة الإسكندرية تنتهي مرحلة الإنشاء، ويكتب طه حسين إلى وزير المعارف في أول صيف عام 1944 تقريرا يقول فيه:
معالي الوزير
أعددتم قانون جامعة الإسكندرية وتقدمتم به إلى البرلمان واستصدرتموه في نفس الأيام التي كان كل إنسان يظن بالأحداث والخطوب فيها الظنون، وافتتحت الدراسة في كليات الجامعة في نفس الوقت الذي بدأت فيه موقعة «العلمين». ووجد الأساتذة والطلاب والموظفون من إقدام الحكومة على هذا العمل الخطير مشجعا أزال عنهم الخوف، ومحا من نفوسهم التردد، ودفعهم إلى العمل جادين مستبشرين.