تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

ويقول إن كليهما عدو للمسيح، لكن محاوره يرد عليه فورا بأنه قد عرف المسلمين فوجدهم قوما كراما، بل إنه رآهم يفضلون قومه من نواح كثيرة. واضح إذن أن المؤلف برناردشو لم يقصد التعريض بالإسلام، بل قصد إبراز الجهل والتعصب الذي اتصف به بعض رجال الكنيسة الذين كانوا يطالبون برأس جان دارك، والمؤلف قد رد على هذا القسيس المتعصب الجاهل على لسان اللورد الذي كان يحاوره ردا أنصف به الإسلام والمسلمين.»

يقول أحد أعضاء المجلس: «إن القرآن الكريم يحكي أقوال المشركين الذين كانوا يصفون النبي

صلى الله عليه وسلم

بالسحر والكهانة وما هو أسوأ، ثم يرد عليهم.»

ويقول عضو آخر: «الكنيسة الكاثوليكية هي التي كانت تصدر لائحة للكتب التي تحرم على المسيحيين الكاثوليك قراءتها، أما الإسلام فلم يعرف شيئا من ذلك.»

ويقول عضو ثالث: «ليس في الجامعة كتب مقررة، والكتب التي يطلب إلى الطلاب قراءتها لا يطلب إليهم قبول ما فيها، بل إن الذي يطلب إليهم هو دراستها ونقدها.»

ويقول العميد: «لقد طلبت إلى زميلين آخرين من خارج قسم اللغة الإنجليزية قراءة الكتابين، ورأيهما فيهما مطابق لرأي الأستاذ رئيس القسم الذي عرضه علينا الآن، فهل ترون إذن الموافقة على تقرير رئيس القسم وعلى رفعه إلى مدير الجامعة ليعلم نتيجة التحقيق؟»

يوافق المجلس، وينتقل إلى ما لديه غير ذلك من الموضوعات.

بعد يومين يتصل الدكتور هيكل وزير المعارف بالعميد بالتليفون، ويقول له إن رئيس الوزراء محمد محمود باشا أمر بمنع الكتابين.

ويقول العميد: «إن الأساتذة المختصين قرءوا الكتابين وقرروا أنه ليس فيهما ما يجرح الشعور الديني أو يمس الإسلام أو رسوله الكريم، وقد رفعت تقرير رئيس قسم اللغة الإنجليزية إلى مدير الجامعة فأقره المدير ووافق على ما رآه مجلس الكلية بهذا الشأن، وعلمت أن التقرير عرض على معاليكم فوافقتم على رأي الكلية وأيدتموه ، أبلغني ذلك عدد ممن تحدثتم إليهم معاليكم في هذا الشأن.»

ويقول الوزير: «صحيح، صحيح، ولكن هذه الآن هي أوامر رئيس الحكومة.»

ويرد العميد: «إذن تبحثون عن عميد ينفذ أوامر رئيس الحكومة مهما تكن ودون سؤال، فإن طه حسين لا يحسن ذلك.»

ويدعو الوزير العميد لمقابلته للتفاهم، فيعد طه حسين بالذهاب إلى مكتب الوزير، ولكنه غير موقن بأن الوزير سيرى غير ما يراه رئيس الوزراء. •••

الطلاب يستمعون إلى المحاضر باهتمام في المدرج الكبير في كلية الآداب صباح يوم 21 مارس سنة 1939، ولكن باب المدرج يقتحم فجأة ويتدفق عدد من الشباب من خارج الكلية يهتفون بسقوط الكلية وحياة الإسلام! وإدارة الكلية تتصل ببوليس الجيزة مستنجدة، ولكن البوليس يعتذر بحجة أنه ليس لديه قوة تستطيع حماية الكلية، والمهاجمون يقتحمون المدرجات وقاعات البحث ويصعدون سلم الكلية متجهين إلى غرفة العميد يهتفون بسقوط العميد الأعمى، يحاولون اقتحام حجرته وهو فيها وحده، فيوقفهم بعض السعاة والموظفين وعدد من الطلاب خرجوا من محاضراتهم وأسرعوا يحمون غرفة العميد. ويرتفع الضجيج من المهاجمين وتتعالى الهتافات وبعضها قبيح شديد الإسفاف مهين للطلبة جارح للطالبات، وأخيرا يتمكن طلاب الآداب وموظفوها من إجلاء المهاجمين.

ويلبي العميد ومدير الجامعة دعوة الوزير، الذي يفسر موقف رئيس الوزراء: إن الوزارة تواجه ظروفا صعبة، ورئيس الوزراء لا يريد أن يثير أزمة لا داعي لإثارتها في هذه الأوقات.

وينصرف العميد من عند الوزير إلى داره ويرسل استقالته، وقد فصل أسبابها، إلى مدير الجامعة.

إن الدكتور هيكل وزير المعارف قد سبقت له قراءة مسرحية «جان دارك»، وهو يعتقد أن ليس فيها ما يقتضي منع طلاب الجامعة من قراءتها وقد أبلغ ذلك بنفسه لعميد كلية الآداب، ولكنه عضو في وزارة محمد باشا محمود، وموقفه حرج، لذلك فهو يزور العميد المستقيل في منزله، ويتحدث إليه عن ظروف الوزارة وظروف رئيسها، وما يحيط به وبها من مؤثرات، رئيس الوزارة لا يحتاج إلى مزيد من الإزعاج، وتكفيه المشاغل والمخاوف التي تواجهه بسبب اضطراب الحالة الدولية وتدهورها.

ما بعد الأيام · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٥٧