تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8 •••

ويدخل الدكتور محمد عوض محمد يقول: «باق من الزمن خمس دقائق.» فينهض الأساتذة الممتحنون يلبسون أرديتهم الجامعية، وينهض معهم العميد وهو يقول للدكتور عوض وهو متجه إلى السلم يهبطه ليدخل المدرج الذي يعقد فيه الامتحان: «لقد قرأت مقال محرر مجلة الثقافة السياسي هذا الأسبوع وهو ممتاز ولكنه مخيف.» ويقول عوض: «أخجلت تواضعي يا سيادة العميد، فإنك تعلم أني أنا محرر مجلة الثقافة السياسي! أما أن المقال ممتاز فهو وصف سوف أسجله وأعلقه في برواز، وأما أنه مخيف فإني أعوذ من ذلك بالله العظيم، كل ما قلته هو أني أعتقد أن اجتماع ميونيخ بين تشرشل والنازيين قد انتهى إلى هزيمة سياسية للإنجليز وحلفائهم، وإلى نصر سياسي لهتلر والنازية. على أن التاريخ - وأنت يا سيدي العميد سيد العارفين بالتاريخ - قد سجل كثيرا من الهزائم السياسية والعسكرية تم تصحيحها فيما بعد بهمة وعناد المهزومين عندما رفضوا الهزيمة ورفضوا الاستسلام.»

ويقول العميد: «هل تذكر خطابي إليك عام 1935 عندما كنا نقدر أن غزو إيطاليا للحبشة يهدد بنشوب حرب عالمية؟ كنت أسأل إن كان ذلك سيضعف أوروبا والإمبراطورية البريطانية فيمكن بلادنا من التحرر والانعتاق من نير الاحتلال، غير أنه لا محل الآن لمثل هذا السؤال، إن الشر لا يلد الخير، وإذا انتصرت النازية والفاشية فإنهما لن يخلصانا نحن العرب من يد الإنجليز والفرنسيين ليقولا لنا كما قال الرسول

صلى الله عليه وسلم

من قبل: اذهبوا فأنتم الطلقاء.»

ويقول الدكتور عوض : «عندنا في مصر من يرون غير ذلك، ويصدقون أن الألمان سيحررون بلادنا من أعدائهم الإنجليز، وهناك لغط كثير عن دعايات واتصالات مع بعض رجال صحافتنا وقياداتنا تقوم بها ألمانيا، تستهدف بها الحصول على تأييد العرب للنازية، وتدبر للتهجم على كل من يؤمن بالديمقراطية ويدعو لها في هذه البلاد.»

وقبل دخول مدرج الامتحان يقول العميد للدكتور عوض: «لقد قيل لي يا عوض إنك كنت قاسيا في لجنة منح المجانية لطلاب الكلية، يجب ألا تنسى أننا أنا وأنت قد تعلمنا بالمجان.» •••

مجلس كلية الآداب منعقد في غرفة العميد صباح يوم 13 مارس 1939.

يقول العميد: «لقد تحدث إلي مدير الجامعة بشأن شكوى بعض الناس من قراءة كتاب «جان دارك» ل «برناردشو» وكتاب «محادثات خيالية» ل «لاندرو» في قسم اللغة الإنجليزية بالكلية، وقد وعدته بالنظر في الأمر وذكرت أنني لن أتردد في أن أطلب إليكم منع قراءة هذين الكتابين إذا ظهر أن فيهما ما يمس العقيدة أو يهين الإسلام أو الرسول

صلى الله عليه وسلم ، ثم تحدث إلي معالي وزير المعارف في نفس الموضوع فجددت له نفس الوعد، وقد طلبت إلى رئيس قسم اللغة الإنجليزية أن يحقق هذا الأمر وأن يعرض عليكم نتيجة تحقيقه، وأرجو الآن أن يفعل ذلك.»

ويقول رئيس قسم اللغة الإنجليزية: «أثير هذا اللغط حول سبع محادثات في كتاب «محادثات خيالية» تأليف لاندرو، وحول رواية «جان دارك» تأليف برناردشو. أما المحادثات السبع فإنه لا توجد فيها أي إشارة إلى الإسلام أو الرسول الكريم، فالشكوى من هذه الفصول باطلة لا أساس لها. أما الكتاب الثاني «جان دارك» فإنه من الكتب التي يطالعها طلاب قسم اللغة الإنجليزية منذ ست سنوات، أقول منذ ست سنوات، أي قبل أن تنتخبوا سيادتكم عميدا، بل منذ كنتم، كما هو معروف، خارج الجامعة. وقد سبق أن ترجمت هذه المسرحية إلى اللغة العربية ونشرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر منذ سنوات أيضا، وهي ما زالت معروضة في المكتبات ولم يعترض عليها أحد.

والذي تعترض عليه بعض الصحف الآن هو ما يجيء في المسرحية من حوار بين قسيس عظيم الحظ من التعصب، عظيم الحظ من الغباء والجهل، وبين أحد اللوردات، يتحدث القسيس عن جان دارك وعن النبي

ما بعد الأيام · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٥٦