تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العميد يذكر أن الأساتذة والطلاب الذين اشتركوا في رحلة السودان قد عادوا مغتبطين أشد الاغتباط بقيامهم بهذه الرحلة على ما لقوا فيها من مشقة، ويقول لشفيق غربال: «قد ذكرت لي ابنتي التي اشتركت في الرحلة أنه عندما وصل القطار الذي كانوا يستقلونه إلى محطة عطبرة، كان في انتظاره عدد كبير من السودانيين يرحبون بأشقائهم المصريين بحماس شديد، وأن ناظر المحطة كان على رأس المرحبين وقد تبين أنه شاعر مجيد، فقد رحب ببعثة الكلية بالشعر وقال لأمينة:

يا بنت أستاذنا قصي تحيتنا

على العميد عميد العرب والضاد

وكرسي وقتك الغالي لنصرتها

تمسي عميدتنا في عدوة الوادي

وقد نقلت أمينة هذه التحيات التي تأثرت بها أنا كل التأثر، وضحكت هي لفكرة أنها يمكن أن تكون عميدة يوما من الأيام !»

ويرجو أحد الأساتذة ألا يكون ما ينفقه الطلبة من الوقت في هذه الرحلات معطلا لهم عن دراستهم، فيقول العميد: «إن طلبتنا شركاء في تراث الحضارة العربية الإسلامية، ولا بد لهم من أن يعرفوا مواطن هذا التراث، وأنا شخصيا يثير السفر عندي من العواطف والخواطر ما لا تثيره الإقامة، أنا في الخارج أفرغ للراحة أولا ثم للدرس والإنتاج بعد ذلك، وسوف أسافر في العطلة القادمة، وأرجو أن أعود إليكم بكتاب جديد إن شاء الله.»

ويدخل سكرتير الكلية يستأذن للسيدة أم كلثوم، جاءت لتخبر العميد أنها ستستجيب لطلبه إحياء ليلة تخصص إيراداتها للكلية، تتبرع بذلك راضية بل شاكرة، وهي التي يتحدث الناس بكراهيتها للإسراف، وضبطها للإنفاق، ولكنها معجبة بالعميد، متحمسة للشباب، والعميد معجب بها ومتحمس لفنها. •••

طه حسين يتفرغ في عطلة الصيف، كما كان يقول لزملائه، للراحة قليلا وللدرس والإنتاج أغلب الوقت، يعود إلى قراءة مؤلفات أبي العلاء ليتم كتابه الجديد عنه.

على أنه ليس مشغولا بأبي العلاء فحسب، إنه يكتب إلى لطفي السيد يتمنى لو تيسرت له الرحلة إلى فرنسا ليكون إلى جواره فترة من الزمان لا للاستجمام والراحة، بل لعمل سوف يجد فيه متعة تفوق متعة الاستجمام.

يقول طه حسين إن صورة النسخة المخطوطة من الترجمة العربية القديمة لكتاب «المنطق» تأليف أرسطو قد أخذت تصله شيئا فشيئا، ويقول: «وأخذت أحاول قراءتها، وهي محاولة شاقة جدا لغموض الخط في كثير من المواضع، وفساده في بعض المواضيع، ولكنها مع ذلك محاولة لذيذة حين أوفق إلى قراءة أرسطو في هذه الترجمة وألاحظ أنها في جملتها صحيحة، وأن المترجمين العرب كانوا يحرصون على الدقة في كثير من الأحيان حرصا يضطرهم إلى إكراه اللغة العربية على ما لا تحب، فهم مثلا لا يستعملون لفظ «القياس» وإنما يستعملون اللفظ اليوناني «سلوجوسموس»، يشتقون منه مصدرا رباعيا على سبيل المصدر العربي وهو «السلجسة»، ثم يشتقون فعلا ماضيا وهو «سلجس» ومضارعا وهو «يسلجس».»

ويرجو طه حسين أن «تنشر الجامعة صورة فوتوغرافية للمخطوطة كما هي، لتكون بين أيدي الباحثين، ثم توضع فصولها فصلا فصلا بين أيدي مدير الجامعة الفيلسوف ليقرأها ويتصفحها في أناة، وينشرها معلقا عليها.» ويقول العميد إنه سيكون سعيدا إن شارك المدير في هذا العمل.

ويتم طه حسين كتابه عن أبي العلاء ويختار له العنوان وهو «مع أبي العلاء في سجنه»، ويملي إهداء الكتاب وهو «إلى الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس». •••

ويستأنف طه حسين نشاطه في العام الجديد وهو شديد الاهتمام، إلى جانب عمله الجامعي، بأمور الثقافة خارج الجامعة، فهو يقترح تأليف شعبة مصرية لمنظمة «جيوم بيديه» التي تقوم بنشر وترجمة تراث بلاد البحر الأبيض المتوسط الكلاسيكي، لتعمل الشعبة المصرية على نشر وترجمة التراث العربي كذلك، فتستجيب وزارة المعارف لطلبه، وهو شديد الاهتمام بعمله الجامعي، يخصص من وقته ساعات طويلة للإشراف على رسائل طلاب الدراسات العليا، ويرى ذلك واجبا من أحب واجباته إلى قلبه.

ما بعد الأيام · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٥٤