تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرد طه حسين: «إن أبا العلاء المعري حاول أن يهجر الناس ولكن الناس لم يهجروه، وأنا على أي حال لا أرى أن يعتزل الفنان أو الأديب مجتمعه، إن الأديب أو الفنان يمكن أن يرتفع بنفسه عن الحياة من حوله ليتأملها، ولكنه لا يجوز أن يخرج منها، يجب أن يأخذ الفنان والأديب موقفا مما يجري حوله، إن الكاتب يقود الفكر في مجتمعه، والفكر يقود العمل.»

وتسأل السيدة: «هل الفنان يستطيع دائما أن يعبر عما يريد التعبير عنه حتى يتسنى له المشاركة في قيادة الفكر؟»

ويرد العميد: «يحاول، هذه مسئوليته.»

وتسأل السيدة: «وأمام من تكون مسئولية الفنان؟»

ويرد العميد: «أمام ضميره.»

ويتدخل الرجل فيقول: «ولكن المجتمعات لا تحكم حسب أحكام الضمير، إن المجتمعات تحكم بالقوانين، والقوانين تنفذ بأدوات السلطة، وبعض هذه القوانين في بعض البلاد تسن خصيصا لخدمة السلطان، ولذلك تصدر صارمة ظالمة تصادر حرية التعبير.»

ويقول العميد في هدوء واقتناع أكيد: «إنما تحترم القوانين إذا صدرت صحيحة معبرة عن إرادة الأمم مصدر السلطات.»

فيسأل الرجل: «ومن يحمي الأديب والفنان إن هو خالف إرادة الظالم من الحكام؟»

ويقول العميد: «لا بد أن يوجد تضامن وتعاقد غير مكتوب بين الفنان أو الكاتب وبين مجتمعه المتحضر، هذا التضامن يفرض على الفنان أن يكون صادقا أمينا حرا، ويفرض على المجتمع أن يحمي الفنان من كل أنواع الطغيان.»

وتسأل السيدة: «كل أنواع الطغيان؟»

ويرد العميد: «نعم، بما في ذلك طغيان العامة، نعم، كل أنواع الطغيان ما عدا طغيان المرأة ... هذا مقبول فيما أظن ...»

وتضحك السيدة وتسأل: «وهل كتبت أخيرا شيئا عن المرأة؟»

ويقول العميد: «قصة فتاة أو فتاتين من صعيد مصر، قصة من الواقع، سميتها باسم طائر مصري مغرد حبيب إلى قلبي اسمه «الكروان»، لا أعرف اسمه بالفرنسية ... لا، ليس البلبل.»

ويقول بول فاليري: «لقد حان موعد عودتنا إلى قاعة الاجتماع.» •••

وينتهي الصيف ويبدأ العام الجامعي الجديد، ويستأنف العميد عمله أستاذا في قسم اللغة العربية وعميدا للكلية، ينظم عملها ونشاطها داخل الجامعة وخارجها. والمحاضرات العامة للكلية تشمل في ذلك العام الأسبوع الذي نظمته لدراسة أبي عمرو الجاحظ وعصره، يشارك في هذه الدراسة الأساتذة أحمد أمين وأمين الخولي وعبد الوهاب عزام وعبد الوهاب حمودة، ولا ينسى طه حسين شباب قسم اللغة العربية فيشرك فيها أيضا الأستاذين الشابين شوقي ضيف وعبد اللطيف حمزة.

يتحدث العميد مع زملائه وطلابه المشتركين في هذه الدراسة عن البيئة التي عاش فيها الجاحظ، بيئة العراق: «لقد كان العراق هو الموطن الذي التقى فيه عرب الجنوب المتحضرون وعرب الشمال البدويون قبل الإسلام، ثم التقى فيه عرب الجنوب والشمال جميعا بالفرس وحضارتهم الساسانية، وبالروم وحضارتهم المسيحية، وقد عرف العراق قبل ذلك حضارة أشور وبابل، وبتأثير ذلك كله كان العراق أول موطن، خارج الجزيرة العربية، يزدهر فيه الشعر قويا نابضا بالحياة قبل الإسلام، وكان بعد الإسلام من أهم مواطن العرب تأثيرا في نشأة وتطور الحضارة العربية والإسلامية.»

ويتمنى العميد أن يزور العراق يوما، ويتمنى أن تنظم الكلية رحلة لطلابها وأساتذتها إلى العراق في عام مقبل، غير أن رحلة هذا العام ستكون إلى سواحل البحر الأحمر سعيا بالسيارات من القاهرة إلى السويس ثم إلى الغردقة فالقصير، وانعطافا، عبر طريق القبائل العربية القديم، إلى قنا، مرورا بدير سانت أنطونيوس. ويتحدث العميد في تنظيم هذه الرحلة وقيادتها إلى وكيل الكلية الأستاذ شفيق غربال.

والأستاذ شفيق غربال يتحدث عن رحلات الكلية السابقة، رحلات فلسطين والأردن والحجاز والسودان وواحة سيوة، وهذه الرحلة إلى سواحل البحر الأحمر، وهو يأمل - والعميد يوافقه - ألا تكتفي الكلية بما يحصله طلابها وأساتذتها من فوائد في رحلاتها خارج مصر، فتعمل لتكون اللقاءات التي تتم فيها أساسا لصلات تقوم وتتوثق بين الكلية وبين الهيئات العلمية والأدبية المماثلة في البلدان العربية التي تتم زيارتها.

ما بعد الأيام · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٥٣