الأستاذ يريد من طلابه أن يتعودوا قراءة النصوص القديمة، ويريد أن يدربهم على نقد المراجع الهامة، وعلى ألا يدعوهم قدمها أو كون مؤلفها عملاقا مثل أرسطو إلى التسليم بكل ما يجيء فيها وتصديقه بغير تمحيص، فإنه حريص على أن يقف وأن يقف تلاميذه من كل ما يقرءون موقف الدارس الناقد والمفكر الواعي.
ويقبل شهر ديسمبر 1919 فتصل لجنة اللورد ملنر إلى القاهرة، ولكن مصر كلها تقاطعها، فقد اختارت الوفد ورئيسه «سعد باشا زغلول» وكيلا عنها للمطالبة بحريتها واستقلالها، وهي تريد أن ترغم دولة الاحتلال على احترام هذه الوكالة والتعامل مع وكيلها وحده لتحقيق الهدف الذي وكلته لتحقيقه، فلا تستطيع اللجنة الاتصال بأحد، وتحاول زيارة طنطا «موطن المظاهرات في العام الماضي» فتقوم مظاهرات جديدة ضدها، ويعلن علماء الأزهر أنهم يطالبون مع الشعب كله بالجلاء والاستقلال في نداء يوقعونه بأسمائهم ويوجهونه إلى دار المندوب السامي، ولأول مرة في تاريخ مصر تخرج السيدات مؤيدات للحركة الوطنية في مظاهرة في القاهرة تتحدى الرصاص.
ويتحدث طه حسين إلى أستاذه وصديقه القديم أحمد لطفي السيد عن سعادته بيقظة الشعب المصري وتصميمه على أن يحصل على استقلاله، ولكن لطفي السيد يتساءل وماذا بعد الاستقلال؟ إنه يرى أن على المواطنين أن يفكروا منذ الآن في طبيعة الحكم الوطني بعد الاستقلال. هذا الحكم في رأيه لا يجوز أن يكون حكم الخديو المطلق؛ لأنه يرفض حكم الفرد الذي يلغي الحرية كل الرفض، ولا بد أن يكون الحكم هو حكم الشعب لنفسه بنفسه، أي الحكم الديمقراطي.
وداخل الجامعة يدرس طه حسين نظم الديمقراطية الأثينية في كتاب أرسطوطاليس، وهو يدرك أنه ليس بين الطلاب من يعرف لغة الكتاب وهي اليونانية، وإذن فلا بد من قراءة ترجمة فرنسية أو إنجليزية للكتاب، ويسأل نفسه لماذا لا يترجم الكتاب إلى اللغة العربية كما ترجم إلى اللغات الأوروبية الحية، ويتساءل: «لماذا لا أفسر للطلاب ترجمة الكتاب بالعربية؟ فإذا كان الشقاء قد قضى علينا ألا نعنى باللغات القديمة ولا نحفل بدراستها، فإني أستطيع أن أترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وأنا مدين لمصر بهذه الترجمة؛ لأني لم أتعلم لأنتفع وحدي بما تعلمت، ولأن من الحق على كل مصري أن يبذل ما يملك من قوة لإصلاح ما أصاب مصر من فساد.»
ويقول طه حسين إن الكتاب هام، لا لقيمته التاريخية فحسب، بل لقيمته المعاصرة أيضا، فإن أرسطوطاليس «لم يكن يشخص عصره الذي عاش فيه فحسب، وإنما كان يشخص الرقي الإنساني بوجه عام.»
وأرسطو يستعرض صور الحكومات ويختار منها حكومة وسطا، تمثل طبقات الشعب تمثيلا صحيحا معقولا، ويرفض صور كل الحكومات الاستبدادية؛ استبداد الملوك، أو استبداد الأقليات، أو استبداد العامة.
وإذن فإن هذا الدرس «الأكاديمي» الذي اختار الأستاذ الشاب طه حسين أن يلقيه على طلابه في العام الجامعي 1919-1920 لم يكن منقطع الصلة بما يجري خارج الجامعة، بل كان شديد الاتصال بما يشغل باله هو وبال غيره من المفكرين، أي بطبيعة حياة مصر السياسية بعد الاستقلال. •••
وتنتقل أسرة طه حسين من السكاكيني إلى «شقة» في شارع الحواياتي على ناصية شارع الخديو إسماعيل، وقد وصلت سجادة عجمية من الوالد الذي كان قد أرسل أيضا حوالة بريدية اشترت السيدة سوزان بقيمتها عربة للطفلة أمينة، ووصلت سجادة أخرى من الشيخ أحمد شقيق طه حسين الكبير، وكان عبد المجيد الشقيق الذي يصغره بخمسة عشر عاما يساعد في إعداد «الشقة»، إنه يتابع دراسته الثانوية ويريد أن يدخل بعد ذلك مدرسة الهندسة العليا، وهو الآن يداعب ابنة أخيه في عربتها، وهي تضحك له سعيدة بمداعبته، ولكن عبد المجيد ينصرف عن هذه المداعبة بعد قليل ليحدث شقيقه الكبير بما يحس به الشباب - حتى من كان منهم في مثل سنه الصغيرة - من غضب على المحتلين ورغبة في العمل لإنهاء الاحتلال واستعداد للتضحية في سبيل تحرير البلاد.