وفي القطار إلى كوم امبو يتحدث طه حسين مع زوجته عن والديه اللذين يعود إليهما الآن وقد بلغ الثلاثين، وله زوجة وبنت، ومعه درجة الدكتوراه وقد عين أستاذا في الجامعة الأهلية، يقول لها إن والده كان يتمنى لو أصبح يوما شيخا في الأزهر الشريف له عمود يتجمع حوله الدارسون، وكان ذلك أقصى ما يتمناه له.
وعندما يصل إلى كوم امبو، وتتلقاه الأسرة بالفرح والترحيب، يتركه أبوه مع أمه، ويترك ابنته لجدتها، ويخرج هو مع زوجة ابنه ليريها معالم المدينة، وفيها آثار الانتعاش الاقتصادي الناشئ عن قيام شركة السكر فيها، يسيران معا، هو بملابسه بالعمامة والجبة والقفطان، وهي بملابسها الأوربية، يسألها - بالإشارة - عن رأيها فيما تراه، وعن طلباتها إن كانت لها طلبات، وتشكره هي بالابتسامة سعيدة كل السعادة باستقبال أسرة زوجها لها. •••
وتمر أيام الزيارة سريعة، سعيدة، على أنه لا بد من العودة إلى القاهرة فإن الجامعة ستفتح أبوابها عن قريب، ولا بد من أن يبدأ طه حسين عمله فيها.
وفي السابع من ديسمبر عام 1919، في تمام الساعة السادسة مساء، يقبل أعضاء مجلس إدارة الجامعة المصرية على قاعة المحاضرات فيها، يتقدمهم عبد الخالق باشا ثروت وكيل الجامعة، وإسماعيل حسين باشا وكيل وزارة المعارف، ومرقص بك حنا المحامي، وعلي بك بهجت مدير الآثار العربية، وشكري باشا وكيل وزارة الحقانية، وحسين سعيد باشا، ويجلسون في القاعة إلى جانب الأستاذ الشاب طه حسين، ثم ينهض الأستاذ إسماعيل رأفت بك فيقدم الأستاذ الشاب إلى ثروت باشا الذي يسير معه إلى منصة التدريس، ويقدمه للطلاب ولغيرهم ممن توافدوا على الجامعة ذلك المساء يلخص لهم حياته العملية وجهاده فيها، ثم يقول: «هذا هو مختصر لحياة الطالب طه حسين،
1
تلك الحياة العملية التي كان فيها خير مثال للشبيبة المصرية، وأصدق دليل على الذكاء المصري والنبوغ المصري، وأقطع برهان على ما يثمر الجد والثبات والعزم.»
ثم يختم حديثه بقوله: «أستاذنا الدكتور طه حسين يبدأ الآن حياة جديدة، يبدأ حياة الإفادة بعد الاستفادة، وإني باسم الله وبالنيابة عن أعضاء مجلس الإدارة أفتتح الدرس الأول للأستاذ الدكتور طه حسين.» •••
ويحضر الطلبة درس التاريخ القديم متثاقلين، على أنهم بعد سماعهم الأستاذ الشاب قد جعلوا يقبلون عليه وعلى مادته شيئا فشيئا، فقد تبين لهم أن دروسه لن تكون سردا لأسماء الأباطرة وللمعارك التي خاضوها، بل ستكون دراسة للحضارة القديمة ونظمها السياسية والاجتماعية وثمارها الثقافية ولتاريخ الفكر الإنساني وتطوره في الزمن القديم.
والأستاذ يشرك طلابه في البحث
2
ويطالبهم بأن تكون مشاركتهم إيجابية، يتحدث عن واحد من هؤلاء الطلبة اسمه عبد الوهاب عزام،
3
طالب في مدرسة القضاء الشرعي، يعد نفسه ليكون قاضيا، يقبل على دروسه في تلك المدرسة وجه النهار، ثم يسعى آخر النهار إلى الجامعة، يقول الأستاذ طه حسين: «عندما أريد أن أدرب طلاب الجامعة على قراءة نص من النصوص التي تتصل بتاريخ الحضارة اليونانية أو الرومانية أو بالأدبين اليوناني واللاتيني، فإنني أكلفه هو بالقراءة والتفسير وأقوم منه مقام الأستاذ الذي يعلم تلاميذه كيف يفقهون»، ويضيف: «إن زملاء عزام يألفونه ويعجبون به، وأنا محب له ومعجب به كزملائه.»
وهكذا كانت طريقة الأستاذ الشاب؛ يكلف تلاميذه قراءة بعض النصوص الأصلية المتصلة بدراسة الحضارتين اليونانية والرومانية، ويكلفهم شرحها تحت إشرافه ومراجعته، كما يطلب إليهم قراءة بعض النصوص في الأدب اليوناني والأدب اللاتيني، وهو حريص على ألا يقل مستوى التدريس في جامعة مصر عن مستواه في أوروبا، فهو يطلب إلى طلابه دراسة كتاب من تأليف أرسطوطاليس اسمه «نظام الأثينيين»، يقول لهم إنه قد عرف هذا الكتاب بطريق الصدفة في باريس، «أحالنا عليه أحد أساتذتنا في السوربون، فلما رجعت إليه عرفت أنه استكشف في مصر في عام 1891، فنقله الإنجليز إلى لندن، ونشرت صورته الفوتوغرافية ثم طبع في لندن وباريس وبرلين وغيرها من مدن أوروبا، ثم نقل إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها من اللغات الحديثة، ثم نقد وفسر في جميع اللغات، ثم درس في جامعات أوروبا، انتفع به مؤرخو الأوروبيين فأصلحوا ما كان في تاريخ أثينا من خطأ وأكملوا ما كان فيه من نقص، ثم مضت على ذلك ثلاثون سنة والمصريون لا يعلمون من أمره شيئا، وإذ كنت أدرس لكم تاريخ اليونان، وكنت قد أخذت نفسي بأن أفسر لكم من حين إلى حين بعض الأصول التاريخية القديمة لتعتادوا قراءة كتب التاريخ والاستفادة منها؛ فقد اخترت في هذه السنة هذا الكتاب.»