ويجيء موعد السفر، ويصعد مع أسرته سلم الباخرة التي ستعود بهم إلى الإسكندرية، فيعلم أن السفينة تقل رفات ثروت، إنه إذن يعبر البحر معه ويرافق شخصه لآخر مرة. «مات ثروت ... والناس يقولون إن موته كارثة آلمت مصر كثيرا، وأفقدتها كثيرا، وأنا أعلم ذلك وأقدره، ولكني إنما أفكر في ثروت الصديق ... تعيش الأمم قبل الزعماء وتعيش الأمم بعد الزعماء، ولكن الصديق لا يعيش حقا إذا فقد الصديق، إنه يفقد جزءا من نفسه وقطعة من قلبه.»
يفكر طه حسين في زوجة ثروت التي كانت ترافق جثمانه: «لله زوج ثروت! سجينة في غرفتها على السفينة، منحدرة الدمع حتى لا تجد في عينيها دمعا، مؤرقة الليل لا تأوي إلى مضجع، منغصة النهار لا تطمئن إلى شيء ولا إلى أحد ...» وتصل الباخرة إلى الإسكندرية ويهبط منها جثمان ثروت، «ولله مصر كلها! إذ تستقبل عظيمها لتشيعه إلى حيث أراد الله أن يستقر إلى آخر الدهر.» •••
عندما تصل الأسرة إلى منزلها في مصر الجديدة، يعدو «مؤنس» وهو الآن في السابعة من عمره إلى الحديقة، يريد أن يرى كيف أصبحت بعد الغيبة عنها شهور الصيف، كيف صارت أشجار البوانسيانس الأربع التي يجلس في ظلها أبوه، هل نمت منذ فارقوا الدار؟ وهل أورقت؟ هل ازدهر الزهر عليها وتألق؟ يتلكأ في تلبية الدعوة المتكررة لدخول البيت، لأنه يريد أن يصف حال الحديقة بعد انقضاء الصيف لأبيه، على أنه لا بد الآن أن يأوي إلى الفراش، لا بد أن يستعد هو وأخته للعودة إلى مدرستيهما في الصباح، ولا بد للوالد كذلك أن يستأنف في الغد نشاطه في الجامعة. •••
القاهرة في خريف 1928 هي عاصمة غير التي تركها طه حسين أول الصيف، فقد نشرت بعض الصحف وثائق قيل إنها تمس نزاهة مصطفى النحاس المحامي
10
وسارع الملك فؤاد بإقالة النحاس باشا رئيس الوزراء، وعين لرياسة الوزارة أحد الوزيرين اللذين كانا يمثلان حزب الأحرار الدستوريين في وزارته، واستصدر الرئيس الجديد محمد محمود باشا، بسرعة، أمرا ملكيا بحل البرلمان وبوقفه عن الاجتماع مدة ثلاث سنوات على الأقل، وأعلن أنه ينوي أن يحكم البلاد بيد من حديد، بغير دستور، ولا تمثيل للشعب، ولا برلمان.
وطه حسين ساخط لهذه النكسة في حياة البلاد الدستورية، يؤكد للشيخ مصطفى عبد الرازق - الذي كان يسأله ألا يرى لوزارة محمد محمود أي مزايا - أنه لا توجد أبدا أي مزية تسوغ قيام الحكم الديكتاتوري، وأنه هو صديق شخصي لمحمد باشا محمود، ولكنه لا يقبل الديكتاتورية أبدا، ويستنكر أشد الاستنكار تعطيل الدستور الذي جاهدت الأمة لإصداره، مقررا أنها هي مصدر كل سلطة . •••
وفي آخر عام 1928 وأوائل عام 1929 يلقي طه حسين في الإسكندرية سلسلة من أربع محاضرات عن الشعر العربي السياسي، والهجائي، والغزلي، وعن التأثير الفارسي في الأدب العربي، وقاعة المحاضرات تغص دائما بالمستمعين والمستمعات أيضا، ومن بينهم من يكتشف روعة التراث العربي لأول مرة، وتحدث هذه المحاضرات في الثغر السكندري حركة أدبية نشطة يتمنى أهل الإسكندرية ألا تهدأ. وفي الإسكندرية أدباء نابهون يتحدثون إلى طه حسين عن انشغال مدينتهم بالتجارة والمال وانحصار كل نشاط ثقافي له قيمة في أوساط الجاليات الأجنبية، وطه حسين يقول لا بد للإسكندرية من إحياء جامعتها ومكتبتها واستعادة مكانتها لتعود منارة من منارات الثقافة العربية في حوض البحر الأبيض المتوسط. •••
وفي حديقة منزل طه حسين في مصر الجديدة، في ظل الأشجار التي نمت نموا ظاهرا، يجلس لطفي السيد مع طه حسين، لطفي يقول كعادته: «سأسأل أنا»، ويضحك طه حسين ويقول له: «آخر مرة سمعت فيها هذا التعبير كانت عندما أقبلت ابنتي أمينة تناقشني على طريقتك التي سمعتها منك، قالت لي: إذا كانت الحلاوة الطحينية حلوة، وإذا كنا يجب أن نحب الحلاوة، فلماذا تحرمني أمي منها؟»