ولكن طه حسين يطلب إلى سكرتيره أن يتوقف عن القراءة ذات صباح، فإنه يحس بآلام قاسية تصرفه عن الاستماع، ولا بد أن يستدعي الدكتور سامي كمال صديق الأسرة وطبيبها، ويحضر الدكتور فما إن يدرك طبيعة هذه الآلام حتى يستدعي الدكتور علي باشا إبراهيم فيحضر على عجل فهو زميل وصديق لطه حسين، يسمع إلى شكواه ويقرر بعد الفحص ضرورة نقله إلى المستشفى الإسرائيلي حالا، ليبقى هناك تحت الرقابة مدة تجري له بعدها عملية الزائدة الدودية.
وبينما تعد السيدة سوزان العدة للذهاب إلى المستشفى، يقول علي باشا إبراهيم لطه حسين: «أخيرا جاءتني فرصتي، ستخضع في المستشفى لأوامري، ولن تستطيع الآن أن تعصي لي أمرا!»
وطه حسين يبتسم، ولكنه يستأذن في أن يخلو بسكرتيره ليمليه وهو يغالب آلامه سطورا قليلة يوصي فيها أخاه الشيخ أحمد بزوجته وبابنته وبابنه، ويوصي بهم أيضا صديقه الشيخ مصطفى عبد الرازق.
وتجرى العملية ويتم الشفاء والحمد لله، ويعود الأستاذ إلى الجامعة يتحدث مع زملائه في شئون الكلية. لقد تقرر أن يمثل الجامعة في المؤتمر الذي سيعقد في مدينة أكسفورد أثناء الصيف، وهو يعد بحثين لتقديمهما إليه: الأول عن استعمال ضمير الغائب في القرآن الكريم، سيبين فيه الروعة البلاغية في هذا الاستعمال، والثاني عن العلاقة بين مذهب المعتزلة في وجوب الأصلح وبين مذهب الفيلسوف الألماني «ليبنتز».
ويسأل أحد الزملاء عن اللغة التي سيلقي بها طه البحثين في هذا المؤتمر الذي سيعقد في مدينة الجامعة الإنجليزية الكبيرة، ويرد طه حسين: «بالفرنسية؛ لأن إنجليزيتي لا تنفع.» ويحكي لزملائه وهو يبتسم كيف حاول أن يتعلم الإنجليزية، يقول: «كان أخي الشيخ أحمد وثلاثة من إخوانه الأزهريين قد رأوا أن الأستاذ الإمام محمد عبده يعرف اللغة الفرنسية، ويرد بها على «هانوتو» وعلى «رينان»، ولذلك قرروا أن يدرسوا لغة أجنبية، ووجدوا في مدرسة الجمالية مدرسا قبل أن يعطيهم دروسا في الإنجليزية مقابل مئة قرش يجمعونها من بعضهم البعض شهريا، وكان المدرس يحضر للتدريس في الغرفة التي يسكنها أخي وأسكنها معه، كان المدرس يعلم تلاميذه الأربعة كيف يلوون الألسنة ويمدون الشفاه، ويوسعون الحلوق، ويباعدون بين الألسنة وسقف الفم، لينطقوا بهذه الرطانة الإنجليزية، وكنت أجلس بعيدا منطويا لا يحس أحد بوجودي، وكلي مع ذلك آذان ألتقط كل ما يعلمه المدرس لتلاميذه، ولكن المدرس تعب، وتعب التلاميذ، ولم يصلوا إلى طائل، فانقطع تعليم الإنجليزية لهم، وانقطع تعلمي لها.»
وينتهي مؤتمر أكسفورد وتبدأ عطلة الصيف عام 1928، ويقضي طه حسين وأسرته جانبا منها على ضفة بحيرة صغيرة في منطقة جبال الألب، يريد هو أن ينقطع فيها كل الانقطاع إلى القراءة والدرس، وتأبى أسرته إلا أن تخرجه قليلا للرياضة، يسيرون جميعا في الغابة يتتبعون مجرى غدير فيها، فيقول لزوجته إنه يجد في مصاحبة ذلك الغدير أنسا ولذة عظيمين، فتقول له: «كم تستطيع أن تجد من الأنس لو أرحت نفسك من بحوثك ومن فلسفة ليبنتز!» فيقول لها: «ولكنك تعلمين يا صاحبتي أن ليس إلى هذا من سبيل!»
وتقترب عطلة الصيف من نهايتها، وطه حسين يتطلع إلى العودة، فإنها سوف تتيح له أن يرى تلاميذه وزملاءه وأصدقاءه، ومنهم لطفي السيد وعبد الخالق ثروت، ولكن الصحف الفرنسية تقرأ عليه ذات صباح، فيعلم منها أن عبد الخالق ثروت باشا قد مات الليلة البارحة، في باريس.
في خلال السنوات التسع التي مضت منذ قدمه عبد الخالق ثروت باشا إلى طلابه في الجامعة، قامت بين الرجلين صلة قوية قوامها الإعجاب والمودة الصادقة، ولم يكن طه حسين يرى في ثروت زعيما من أصدق الزعماء حبا لوطنه ومقدرة على خدمته فحسب، بل كان يعده صديقا من أشرف الأصدقاء وأقربهم إلى قلبه، رجلا من أوفى الرجال وأجدرهم بالمحبة. وطه حسين يحس الآن أن الموت اختطف ثروت من مصر ومنه هو اختطافا، اختطفه الموت الذي اختطف من قبل أخته نفيسة وأخاه محمودا، يقول: «الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة لا غناء فيها ولا ثقة بها ولا معتمد، تبينت ذلك ولما أتجاوز الصبا، وتبينته مرة ومرة ومرة»، ويذكر كيف سمع نعي ثروت فلم يطق البقاء في المنزل، بل خرج هائما «لا أدري إلى أين أذهب، ولا أعرف ماذا أريد، وأنا أمشي على ساحل البحيرة لا أكاد أسمع اصطخاب أمواجها ولا أكاد أحس هذه الريح التي تعصف من حولي؛ لأني مغرق فيما أنا فيه من التفكير في ثروت، وفي الموت.»