القتالَ قد يكونُ مع كفارٍ أساساً، وقد يكون القتالُ مع مرتدينَ، وقد يكون القتالُ مع بغاةٍ مسلمين، فهذه الأنواعُ كلُّها تُعْتَبَرُ من الجهاد في سبيل الله، ولكلٍّ منها أحكامٌ تجتمعُ في بعضها وتختلفُ في البعض الآخر.
وهنا الحكمُ في قتالِ المرتدين أنه جهادٌ في سبيل الله، ولأجلِ ذلك ذكرَ هذا الحديثَ في كتاب الجهادِ، واعتبَرَ هذا من الجهادِ في سبيلِ الله لأنه لأجلِ إعلاءِ كلمةِ الله، فكلُّ ما كان إعلاءً لكلمةِ الله فهو جهادٌ في سبيل الله. وسوف نتعرضُ لهذه المسألةِ في الكتابِ القادم بعد كتابِ الجهادِ أو الذي بعده.
فقال له (يا عم ما يحبسك أن تجيء) أي: لأجلِ مقاتلةِ هؤلاء المرتدين مع من يقاتلهم من الصحابةِ والتابعين رحمهم الله جميعاً.
فقال (الآن يا ابن أخي)؛ يعني: الآن سوف يذهبُ، ولكنه ينتظرُ حتى يتجهزَ. (وجعل يتحنط ـ يعني من الحنوط ـ) هكذا قال تأكيداً لهذا الفعلِ العجيبِ الذي فعلَه ثابتُ بنُ قيس - رضي الله عنه -، ويدلُّنا هذا على أن بعضَ الأفعالِ التي لم تُعرَفْ في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - إن فُعِلَتْ بعد عهدِه لا يُحكَمُ عليها مطلقاً بأنها بدعةٌ، بل لا بدَّ من النظرِ في المقصدِ الذي فُعِلَتْ لأجله وهل هو مندرِجٌ تحتَ حُكمِ عامٍ أم لا يندرجُ، وهل يُرادُ به التعبُّدُ لذاته أم لا وغير ذلك من الأمورِ التي يُحكَم بها على الشيء هل هو بدعةٌ أم لا؟
فثابتُ بنُ قَيس عندما تحنَّطَ للقتال لم يكن هذا الأمرُ معروفاً في عهدِه - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه اجتهدَ وفعلَ هذا بناءً على النصوصِ الواردةِ في بذلِ النفس في سبيل الله - عز وجل - فلا يُعتبَرُ هذا من الابتداع، ولم يتحنطْ قربةً بذاتِ التحنُّطِ وإنما فعل ذلك كما قلنا ليُشَجِّعَ نفسَه وإخوانَه على بذلِ نفسه في سبيل الله - عز وجل -.
يقول (ثم جاء فجلس، فذكر في الحديث انكشافاً من الناس)، يعني: عندما وصل إلى المسلمين في القتالِ وَجَدَ انكشافاً، يعني: شيئاً من الخوفِ والرهبةِ والهروبِ والنُّكوصِ عن القتال من البعض، فلما وجد ذلك أخذ يُحَفِّزَهم ويلومُهم ويقول (هكذا عن وجوهنا) يعني: تأخَّروا وأفْسِحُوا لي، ثم أَقْدَمَ رحمه الله وهو قد تحنَّطَ ولبس أكفانَه، وجاء في بعض الروايات أنه كان يقول (اللهم إني أبرأ وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء) كما قال أنسُ بنُ النضر في قتاله يومَ أحد. ثم قال لهم (بئس ما عودتُم أقرانَكم) يلومهم على هذا الخوفِ والهَلَعِ، وفي بعض الروايات (بئس ما علمكم أقرانكم) يعني بذلك اللومَ والتوبيخَ لهم على هذا الضعفِ، ثم أقدَمَ فقاتَلَ - رضي الله عنه - حتى قُتِلَ شهيداً إن شاء الله تعالى وهو مبَشَّرٌ بالجنة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صدقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقُتل شهيداً مقبلاً غيرَ مُدْبِرٍ، وكُتِبَ لهم النصرُ على مسيلمةَ الكذابِ على الرُّغم مما حدث في وقعةِ اليمامةِ من قتلٍ شديدٍ اسْتَحَرَّ في القراءِ كما تعلمون في حديثِ سببِ جمعِ القرآن لأنه قد قُتِلَ عددٌ كبيرٌ في وقعة