النوعِ عدةَ أحاديثٍ، وهذه تُحمَلُ عند أهلِ العلمِ على الاتصالِ؛ لأن موسىَ بنَ أنسٍ المظنونُ أنه أخذَ هذا الحديثَ عن أبيه أنسٍ لأنه قد سمع منه، وهذا الحديثُ العظيمُ لا يترُكُه أنسٌ ولا يحدِّثُ به ابنَه الذي لم يشهدِ الواقعةَ سواءٌ كان صحابياً أم تابعياً، فالمظنونُ أنه أخذَ هذا الحديثَ عن أبيه. ثم إنه قد وردَ في بعضِ طُرُقِهِ التصريحُ بذلك أنه ذكر (عن أنسٍ - رضي الله عنه -) فذكر الحديثَ من روايةِ أنس مباشرةً فثبت الاتصالُ من الرواياتِ الأخرى والحمد لله.
يقول (أتى أنسٌ بنُ مالكٍ ثابتَ بنَ قيسٍ وقد حَسَرَ عن فَخِذَيه)، هذه المسألةُ التي أَشَرْنا إليها في حديثِ نزولِ قوله تعالى ... وكانت فخذُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على فَخذِ الكاتبِ وهو زيدُ بنُ ثابتٍ، فقلنا إن وجودَ فخذِ النبي - صلى الله عليه وسلم - على فخذِ زيدِ بنِ ثابتٍ دليلٌ على أن الفخذَ ليست بعورةٍ، وهذا الحديثُ الذي معنا اليومَ هو مما احتَجَّ به من يقولُ إن الفَخِذَ ليس بعورةٍ، لأن أنساً - رضي الله عنه - رأى فخذَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شمّاسٍ ولم يُغَطِّ ثابتٌ فخذَيْه ولم يُنكِرْ عليه أنسٌ رضي الله عنه كشفَه عن فخذيه، معناه أن هذين الاثنين من الصحابةِ لا يريان بكشفِ الفخذِ بأساً، وهذا بعد وفاةِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمعناه أيضاً أنه لم يَصِلْهُم ما يُدلِّلُ على نسخِ جوازِ كشفِ الفخذِ. وهذه المسألةُ اختلفَ فيها أهلُ العلمِ اختلافاً كبيراً ولا نُريدُ أن نُطيلَ بذلك لخروجِه عن موضوعِ الدورةِ، ولكن الجمعَ بين الرواياتِ الواردةِ في كشفِ الفخذِ وحديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه جرهُدٌ الأسلميُّ في أن الفخِذَ عورةٌ، هو ما ذكره الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله حيث قال: إن العورةَ عورتانِ؛ عورةٌ مغلَّظةٌ وهي السوءتان، وعورةٌ مخففَّة وهي الفخذان، ويُتَساهَلُ في هذه العورةِ المخففةِ استناداً لهذه الأحاديثِ التي يُفهَم منها أن الفخذَ ليس بعورة.
يقول (وهو يتحنط)؛ وقد ذكرنا ما معنى الحنوط.
ثم قال له أنسٌ (يا عمِّ، ما يحبسك أن لا تجيء)، قوله (يا عم) هذا من بابِ الاحترامِ للرجلِ الكبيرِ لأنه بمنزلةِ عمِّه، وهذا من بابِ التجوُّزِ بالقولِ لأنه ليس عمَّه وإنما عمُّه هو الذي يكونُ أخاً لأبيه، ولكن هذا يجوزُ أن يُقالَ للرجلِ الكبيرِ الذي في منزلةِ الأبِ أو العمِ (يا عم)، وكذلك يجوزُ للرجلِ أن يقولَ لمن هو في منزِلَةِ ابنه (يا ابن أخي أو يا بني) وهذا ليسَ حراماً كما يظن البعضُ، وإنما هو ثابِتٌ وجائزٌ ولا حرجَ إن شاء الله تعالى لأنه مما اصطلحَ عليه الناسُ ليس فيه ادعاءُ بُنُوَّةٍ ولا أُبُوَّةٍ ولا ادعاءُ نسبٍ حقيقةً وإنما هو من بابِ التجوُّزِ في القولِ الذي اعتادَ عليه الناسُ.
فقال له ثابتٌ (الآنَ يا ابنَ أخي) يعني: الآنَ سوف آتي، لأنه يقولُ له (ما يَحْبِسُكَ) والناسُ الآنَ في قتالٍ يقاتلون أتباعَ مسيلمةَ الكذابِ في وقعةِ اليمامة. ووقعةُ اليمامةِ كما تعلمون كانت في عهدِ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وكانت لقتالِ المرتدين. وهذا يجرُّنا إلى التكلمِ عن أنواعِ القتال؛ فإن