ببدرٍ، فلو نَظَرَ إلى الضعفِ لما جازَ له أن يقاتِلَ، ولكنه قاتَلَ على الرغم من الضعفِ الظاهرِ الذي كان للمسلمين بالنسبةِ لأعدائِهم من الكافرين.
وأيضاً، استمرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. فكونُ العربِ يقاتِلون الرومَ ويقاتلون الفرسَ كان هذا من عجائبِ الدنيا، وقد تعجَّبَ جداً الفرسُ والرومُ كيف تجرأَ هؤلاء على أن يُفَكِّروا بمثلِ ذلك، ولكن نصرهم الله - عز وجل - بنصرٍ من عنده وتأييدٍ من تأييده، وليس ذلك بعتادٍ وعُدَّةٍ وإنما بالإيمانِ والتوكلِ على الله، والله تعالى أعلم.
ـ سؤال: ما رأيُكم في مسألةِ أنه علينا أولاً العملُ على تصحيحِ العقيدةِ قبلَ الجهادِ، فالمجتمعاتُ التي ينتشرُ فيها عبادةُ القبورِ وغيرُها من الشركياتِ يجبُ على الدعاةِ أن يُطَهّروها من تلكَ الأفكارِ أولاً. والسؤالُ الثاني، هل يُشترَطُ على من يخرُج في جهادِ الدفعِ تحصيلُ علومِ الفريضةِ أولاً من صلاةٍ وزكاةٍ وتوحيدٍ وصومٍ ونحوِ ذلك؟
الجواب: سيأتي هذا الكلامُ أثناءَ الدورةِ ولكن لا بأسَ أن نتعرضَ له على عَجَلٍ، لأن هذا السؤالَ طويلٌ في الحقيقة.
أولاً، بالنسبةِ لتصحيحِ العقيدةِ قبلَ الجهادِ، لا شكَّ أننا نحرِصُ على ذلك، وهذا يتعينُ في جهادِ الطلبِ، وأما في جهادِ الدفعِ فالمطلوبُ دفعُ العدوِّ مباشرةً ولا يوجَدُ وقتٌ لتعليمِ العقيدةِ ومحاربةِ البدعِ ومثلِ هذه الأمور، لأن الدينَ فيه أولوياتٌ؛ فلا يتيسَرُ الوقتُ لدفعِ المعتدي وفي نفسِ الوقتِ النظرُ في أحوالِ الناسِ وما يقعون فيه من بدعٍ ومخالفاتٍ شرعيةٍ، ولكن كلما تيَسَّرَ للشخصِ المدافعِ أن يُعَلِّمَ أحداً وجبَ عليه ذلك، وأما أن يُوقَفَ جهادُ الدفعِ حتى يَعلَمَ الناسُ الشركياتِ التي يجب أن يجتنبونها، فهذا من الهُراءِ الذي لا يقولُ به عاقلٌ، كيف تريدُ أن تُعَلِّمَ شخصاً المخالفاتِ الشرعيةَ التي يقعُ فيها وكيف يعالجُها، ورجلٌ كافرٌ متوجهٌ إليه يريدُ أن يقتلَه ويستبيح َعِرضِهِ. فهذا لا يقولُه عاقلٌ.
وأما اشتراطُ تعلمِ علومِ الفريضةِ أولاً على من يخرجُ في جهادِ الدفعِ، فهذا كذلك ليس بصحيح، وإنما يكفيه أن يتعلمَ ما يتيسرُ له مما لا يتعارضُ مع جهادِ الدفعِ، وكما ذكرنا في حديث الرجلِ الذي عمِل قليلاً وأُجِرَ كثيراً، فقد جاء الرجلُ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلمَ ثم قاتَلَ مباشرةً ولم يتعلمْ حتى كيف يصلي ولم يتعلمْ شيئاً من أمورِ الدينِ، وإنما قاتَلَ مباشرةً بمجردِ دخولِه في الإسلامِ لأنه في الصفِّ مع المسلمينَ، وكذلك الذي يشهَدُ الشهادتينِ بمجردِ شهادتِه فهو يقاتِلُ في جهادِ الدفعِ، ولو قاتَلَ وهو كافرٌ فحسابُه على الله - عز وجل - في كفرِه ونحن نسعَدُ بقتالِه ودفعِه مع المسلمين إذا احتاجوا لذلك، كما ذكرنا في حديثنا عن الاستعانةِ بالمشركين في المحاضرةِ السابقة، والله تعالى أعلم.