تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القصاصُ أن تُكسَرَ ثنيةُ الربيع، والسنُّ بالسنِّ، فقال أنسٌ: (يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها)، فأنسٌ - رضي الله عنه - تألَّمَ كثيراً أن تُكسَرَ ثنيةُ أختِه الربيع فأمَلُه بالله وثقتُه بالله جعَلَتْه يُقسِم أن لا تُكسَرَ هذه الثنيةُ وأن يرضى الناسُ بالأَرْشِ، والأرشُ هو ما يُدفَعُ مقابِلَ الجنايةِ من المالِ فيما دون النفس وأحياناً يُطلَقُ على الدِّيَة ولكنَّ أكثرَ استعمالِ الأرشِ هو ما يُدفَع من المالِ على الجناية فيما دون النفس.

فلما أقسمَ أنسٌ - رضي الله عنه - رضيَ أهلُ المرأةِ بالأرش وتركوا القصاصَ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك تزكيةً لأنسٍ - رضي الله عنه - وبياناً لهذه الحادثة: " إن من عبادِ الله من لو أقسمَ على الله لأبَرَّه "، فإن أنساً قد أقسَمَ على ربِّه أن لا تُكسَرَ ثنيةُ الربيع فوفى الله له هذا القَسَمَ وأبرَّ قسَمَه وأمالَ قلوبَ أهلِ المرأةِ إلى قَبولِ الأرش.

ثم ذكرَ حديثَ زيدِ بنِ ثابتٍ في كتابته للمصاحفِ؛ فإن زيداً هو الذي اختِيرَ لكتابة المُصحف لأنه حَضَرَ العرضةَ الأخيرةَ التي عرضها جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يذكر أنه حينما كان يكتب المصحف افتقد آيةً هو يعرف أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأُ بها، والمرادُ أنه كان يبحث عنها مكتوبةً وإلا فهو يحفظها ويعلمُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأُها، وكذلك كان يحفظُ القرآنَ ثلةٌ من الصحابة ويحفظون هذه الآية، والدليلُ على ذلك أنه كان يبحثُ عنها، فالآية محفوظةٌ لديهم ولكنهم كانوا يبحثونَ عنها مكتوبةً بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادةِ رجلين على أن هذه الآيةَ كُتِبَت بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن القرآنَ كان يُحفظ في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدورِ ويُحفَظ أيضاً في السُّطورِ بشهادة رجلين عند كتابته، فبحثَ عن هذه الآيةِ مكتوبةً فلم يجدْها إلا عند خزيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاري كان قد أخذها من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كتبها بين يديه لكي يحفظَها، فلم يجدْها إلا عنده، وكان الأمرُ يحتاجُ إلى الشاهدَيْنِ حتى يُدخِلَ هذه الآيةَ في المصحف فإذا هي عند رجلٍ جعلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حادثةٍ أخرى شهادتَه بشهادة رجلين، وقد ذكر أهلُ العلم في ذلك رواية؛ وهي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بايع رجلاً فحصل منه إنكارٌ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من يشهدُ لي "، فشهِدَ له خزيمةُ ولم يكن قد رأى المبايعةَ، فلما سأله عن ذلك؛ كيف تشهد ولم تر؟ فقال: إنه يصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعظم من ذلك، فسبحان الله، جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادتَه بشهادة رجلين إكراماً له وجزاءً له على هذا اليقينِ وعلى هذا التصديقِ البالغِ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الآيةُ هي هذه الآية التي بدأ بها الإمام البخاري الباب وهي قوله تعالى ... إلى آخر الآية. وجاء في بعض الرواياتِ أن الآية التي بحثَ عنها هي آيةٌ أخرى وهي قوله تعالى: ... ولا مانعَ أن تكونَ الآيتان قد كان يبحث عنهما، والله تعالى أعلم.

قال البخاري رحمه الله:

دورة الجهاد · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ٣٥