وفي هذا الحديث بعضُ فوائد زائدة على الحديثِ السابق الذي تكلمنا عليه في مكانه، وفيه أنها خرجت مع بنت قرضة، وهي امرأةُ معاويةَ - رضي الله عنه - وكان ذلك في عهدِه. وهذا دليلٌ على أن اللاتي خرجن في هذا الغزوةِ عدةُ نساءٍ وليست أم حرامٍ فقط، وهذا كان بعدَ عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك _ بعد ما ذكر من إقرارِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لها على ذلك _ دليلٌ على أن المرأةَ يمكن أن تخرجَ للغزوِ ولكن كما قلنا بحيثُ لا يتعارضُ ذلك مع أمورِ الشريعةِ التي تُقَيِّدُ أعمالَ المرأةِ بالحجابِ والسترِ والصيانةِ وعدمِ الاختلاطِ بالرجال.
ثم ذَكَرَ هنا أنها ركِبتْ دابتَها فوقَصَت بها، وقد ذكرنا أن دابَّتَها وقصَتْها وقتلتْها ولم تُقتَلْ في الحربِ والغزو، ولكنها كُتِبَ لها أجرُ الشهداء لأنها خرجتْ للغزو، وقلنا: إن كلَّ من خرجَ للغزوِ فقُتِلَ أو ماتَ فهو شهيدٌ بإذن الله، وقد تكلمنا على ذلك في أبوابٍ مفصَّلَةٍ فيما سبق، والله أعلم.
باب حملُ الرجلِ امرأتَه في الغزوِ دونَ بعضِ نسائه.
94 ـ حدثنا حجاجُ بنُ منهالَ، حدثنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيريُّ، حدثنا يونسُ قال: سمعت الزهريُّ قال: سمعتُ عروةَ بنَ الزبيرِ وسعيدَ بنَ المسيبِ وعلقمةَ بنَ وقاصٍ وعبيدَ الله بنَ عبدِ الله عن حديثِ عائشةَ، كلٌّ حدثني طائفةٌ من الحديثِ قالت: " كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادَ أن يخرجَ أقرعَ بين نسائِه فأيَّتُهن يخرجُ سهمُها خرجَ بها النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأقرعَ بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن ينزِلَ الحجابُ ".
هذا البابُ أيضاً؛ من الأبوابِ التي تُدلل على خروجِ المرأةِ في الغزو، وفيه فعلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حملُ النساءِ إلى الغزو، وليس حملُ النساء إلى الغزوِ في سبيل الله بشرطٍ أن تشاركَ المرأةُ في هذا الغزوِ. وقد كان العربُ يحملون نساءَهم أحياناً في غزوِهم وقتالِهم لكي يكونَ وجودُ النساءِ حافزاً لهم على الاستماتَةِ في القتالِ حتى لا تُسبى نساؤهم ويؤخَذْنَ من قِبَلِ عدوِّهم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحملُ نساءَه معه في الغزو، فربُّما حملَ واحدةَ وربما حملَ أكثرَ من ذلك، والذي في هذا الحديثِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرعَ بين نسائه فخرج سهمُ عائشةَ. وفيه دليلٌ على الأخذِ بالقُرعَةِ فيما يكون فيه اشتراكٌ؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - سوف يخرجُ إلى الجهادِ وسوف يحتاجُ لخدمةٍ من بعضِ نسائِه ويحتاج إلى أُنْسٍ، فهو يحملُ بعضَ نسائه لأجلِ ذلك، وليس السببُ في حملِ المرأة معه - صلى الله عليه وسلم - أن تقومَ بالجهادِ ومقاتلةِ الكفار. فلما أقرعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بين نسائه خرجتْ عائشةُ رضي الله عنها، وهذه الغزوةُ هي التي حصلَ فيها قصةُ الإفك التي وقعَ فيها المنافقون في عائشةَ رضي الله عنها وزلَّتْ قدمُ بعضِ أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الأمر، ثم تابَ الله - عز وجل - عليهم وأقيم عليهم الحدُّ.