ولستِ من الآخرين ". قال: قال أنسٌ: فتزوجَتْ عبادةَ بنَ الصامتِ فركِبَتِ البحرَ مع بنتِ قَرظةَ، فلما قفَلَتْ ركِبتْ دابتَها فوقَصَتْ بها، فسقطَت عنها فماتت.
هذا الباب وما بعدَه من أبوابٍ سوف نمرُّ عليها في لقائِنا الليلةَ يتعلقُ بجهادِ النساء. والجهادُ بالنسبة للمرأةِ يُنظَرُ فيه إلى نوعِ الجهادِ أولاً؛ فكما قلنا إن الجهادَ منه ما هو للطلب وهو الغزوُ في سبيل الله، ومنه ما يكون لدفعِ العدوِّ وردِّ الاعتداءِ الذي يكون على بلادِ الإسلام، فيختلفُ حكمُ الجهادِ بالنسبةِ للمرأةِ باختلافِ نوعِ الجهاد.
والأصلُ هو جهادُ الطلبِ، لأن جهادَ الدفعِ عارضٌ قد يحصُلُ أن يأتيَ العدوُّ إلى بلادِ الإسلام فيدْهَمَ البلادَ فيكون هناك جهادٌ للدفعِ، ولكنَّ جهادَ الطلبِ لا ينقطعُ أبداً، وكما قلنا لا بدَّ أن يكونَ هناك ولو في السنةِ مرةً جهادٌ في طلبِ العدو، ولكن لا حولَ ولا قوة إلا بالله، في هذا الزمانِ الذي نعيشُه حيث انقلبَ كلُّ شيءٍ، فأصبح جهادُ الطلبِ لا ذكرَ له ولا تعرُّضَ له كأنما حُذِفَ من قاموسِ الدين، وأصبحَ جهادُ الدفعِ هو الذي يُحتاجُ إليه في كل لحظةٍ حيثُ أن بلادَ الإسلامِ الآن كثيرٌ منها تحت نير الاستعمارِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الإمام البخاري رحمه الله بدأ البابَ بحكمِ الجهادِ بصفةٍ عامةٍ للنساء، فقال (باب جهاد النساء) يعني: ما ورد في حكم جهادِ النساء، هل هو مشروعٌ أم غيرُ مشروعٍ؟ هل هو واجبٌ أم غير واجب؟ وذكر فيه حديثَ عائشةَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها حيث قالت: (استأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد) فأولاً؛ هذا يُدللُ على حرصِ أمهاتِ المؤمنين على كل خيرٍ وحرصِ المرأةِ المسلمة على أن تشاركَ في كلِّ خيرٍ حتى وإن كان في أمرٍ يصعُبُ على النفسِ ويشُقُّ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ... ، فالقتالُ لا شكَّ أنه مكروهٌ للنفس وفيه بذلٌ لنفسِ الإنسان وبذلٌ لمالِه ووقتِه، ويحصل فيه الإيذاءُ الشديدُ، فهو ثقيلٌ على النفسِ وهو كما قلنا بيع للدنيا بالآخرة، فالذي يجاهدُ في سبيل الله إنما يبيعُ نفسَه لله - عز وجل -، ويزهدُ في هذه الدنيا الفانيةِ.
فهذه امرأةٌ ولكنها ـ سبحان الله ـ لإيمانِها استأذنتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تلحقَ بركبِ المجاهدينَ في سبيل الله. فتقول (استأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، قال: جهادكن الحج).
هذا الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعتَبَرُ عند أهلِ اللغة أسلوبَ حصرٍ؛ فإن التعبيرَ بالمبتدأِ والخبرِ أسلوبٌ يسمى أسلوبَ حصرٍ، وهذا يبينُ أن المرأةَ ليس عليها جهادٌ.
وفي جهادِ الطلبِ الذي استأذنتْ فيه عائشةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن لا يؤذنَ للمرأةِ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستجِبْ لها ولم يأذنْ لها، وإنما قال لها (جهادُكن الحج). فالأمرُ فيه راجعٌ لوليِّ أمرِها وزوجِها