فهذا الحديثُ يتعلق بالرجلِ الذي تكون له الخيلُ أجرٌ. فيقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من احتبس فرساً في سبيل الله "؛ وهذا هو الجزءُ المتعلِّقُ بالترجمة، يعني: أن احتباسَ الفرسِ أو الخيلِ عموماً في سبيل الله هو تطبيقٌ لقوله تعالى: ... ، فإن ربطَ الخيلِ هو حبسُها في سبيل الله، والحبسُ يطلقُ على الربطِ كما يطلق على جعلها وقفاً للجهادِ في سبيلِ الله فإنه لا يُنتَفَعُ بها إلا للجهادِ في سبيل الله، والوقفُ لله جائزٌ ومشروعٌ سواءٌ كان خيلاً أم غيرها، فكل ما يوقَفُ لله - عز وجل - يُؤجَرُ عليه صاحبُه. وقد جاء في الحديث أن ابنَ عمرَ احتَبَسَ مالاً له في سبيل الله، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حثَّه على ذلك.
وهنا يبينُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أجرَ من احتَبَسَ فرساً في سبيلِ الله، ولكنه شرطَ ذلك بشرطٍ أساسيٍ وهو (الإيمان) وهذا دليلٌ على الأعمالِ تدخلُ في مسمى الإيمانِ، فإنه عندما يقولُ (من احتَبَسَ فَرَساً في سبيلِ الله إيماناً بالله) دليلٌ على أن احتباسَ الأفراسِ والخيلَ جزءٌ من الإيمانِ بالله - عز وجل - (وتصديقاً بوعِدِه)؛ الإيمانُ بالله يتعلقُ بما يفعلُه الشخصُ في الدنيا، والتصديقُ بالوعدِ يتعلقُ بالأجرِ الذي سوف يأخذُه في الآخرةِ بناءً على ذلك. والمسلمُ عليه أن يعملَ جميعَ أعمالِه إيماناً واحتساباً؛ فإذا عمِلَ العملَ ليس قربةً إلى الله - عز وجل - وليسَ إيماناً به وبما أَمَرَ به وشرَعَ فإنه لا يُؤجَرُ على هذا العملِ ولا يُقبَلُ، وكذلك الاحتسابُ أن يكونَ العملُ رجاءَ موعودِ الله وثوابِه - عز وجل - مع الرغبةِ وليس مع التذَمُّرِ والتضجُّرِ؛ وإنما مع المحبةِ والرغبةِ لهذا العملِ فإنه يؤجَرُ على ذلك. وأما إذا حصلَ منه التضجرُ ولم يحتسبِ الأجرَ عند الله أو لم يكنِ العملُ خالصاً لله أصلاً فإنه لا يؤجرُ على عملِه مطلقاً. فهذا القيدُ ليس خاصاً باحتسابِ الخيلِ وإنما هو شاملٌ لكلِّ عملٍ يقومُ به المسلم، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له من تقدم من ذنبه ".
ثم ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأجرَ العظيمَ لاحتباسِ الخيلِ في سبيل الله فقال (فإن شبعه وريه وبوله وروثه) فشبعه: ما يدخل جوفُه من طعامٍ، وريه: ما يدخلُ جوفَه من الماءِ، وبولَه وروثَه: ما يخرُج منه من بولٍ وروثٍ، كلُّ ذلك يُكتَبُ له حسناتٍ يوم القيامة. وقد عبَّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الألفاظِ مع أن فيها شيءٌ مما قد يُستَقْبَحُ ذكرُه لأجلِ البيانِ الكامل الواضحِ لإزالةِ كلِّ لَبْسٍ حتى يظهرَ الأجرُ العظيمُ الذي ادَّخَرَه الله - عز وجل - لمن احتَبَسَ الفرسَ في سبيله.
ولا شكَّ أن الأجرَ العظيمَ المذكورَ في هذا الحديثِ يمكن أن يَنْسَحِبَ وأن يشمَلَ أيضاً كلَّ سلاحٍ يرتبِطُ في سبيلِ الله - عز وجل - وكلَّ سلاحٍ يُجعَلُ عدةً للجهادِ في سبيلِ الله - عز وجل -؛ فإن الذي يحتبسُ شيئاً أو يرتبِطُ شيئاً للجهادِ في سبيلِ الله الذي هو ذروةُ سنامِ الإسلامِ فإنه مجزولٌ له الأجرُ ومكتَمَلٌ له الثوابُ إن شاء الله تعالى، وهذا يشجِّعُنا جميعاً على الحرصِ على الإعدادِ وعلى ارتباطِ العدة