أنه يبادر مباشرة بعد الذنب بالصلاة والتوبة فندب-عليه الصلاة والسلام- إلى هذا النوع وهذا الصنف وهو أعلى ما يكون في التوبة ثم بعد ذلك تكون التوبة كما جاء عن نبي الله داود أنه خر راكعاً وأناب قالوا: إنه لو أصاب العبد ذنباً فأحس بحرارة الذنب وقسوته فلم يتمالك أن سجد بين يدي ربه تائباً مستغفراً فإنه على خير وبركة، ولذلك يقال: إن السجود من أسباب الرحمة وجعل الله السجود سبباً في تفريج كربة الناس أولهم وآخرهم إنسهم وجنهم بفضله-سبحانه- في عرصات يوم القيامة ففي الحديث الصحيح أنه إذا اشتد الكرب وعظم الخطب على الناس والخلائق في حشرها ونشرها بين يدي ربها يقول-عليه الصلاة والسلام-: ((لقد غضب الله اليوم غضباً لم يغضب مثله قط)) في ذلك اليوم العظيم فماذا يفعل-عليه الصلاة والسلام- وماذا يلهم يلهم السجود قال: ((فآتي فأسجد تحت العرش ثم يفتح عليَّ بمحامد ألهمها ساعة إِذْ ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسلْ تعطى واشفع تشفع)) فجعل السجود وسيلة بينه وبين الله وكان سبباً في ذهاب غضب الله - عز وجل - ورحمته بعباده - سبحانه وتعالى -، فالمقصود أن المذنب إذا أذنب دلّ هذا الحديث على أنه يقدم الوسيلة بينه وبين الله فهذا من أعلى مراتب التوبة.
كذلك - أيضاً - بعد هذه المرتبة مرتبة الاستغفار وهي المرتبة الثانية أن يعمل عملاً صالحاً ويستغفر فيتوسل إلى الله بصدقة يقع في ذنب فيذهب إلى أرملة يحسن إليها أو يتيم يتصدق عليه أو يطعم طامعاً لوجه الله ثم يستغفر الله - عز وجل - كما قال-تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ولذلك شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصدقة في نزول الحوادث والنكبات والمصائب فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتم ذلك - يعني كسوف الشمس وخسوف القمر - فصلوا وادعوا وتصدقوا)) فأمر بالصدقة لذهاب غضب الله - عز وجل - وتخويفه لعباده فإذا قدم الصدقة فهذا نوع من التوبة والله - عز وجل - يغفر للمتصدق ففي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن الصدقة تطفئ غضب الربّ كما يطفئ الماء النار)) فالعبد يفعل ما يغضب الله - عز وجل - فيندم ويتألم وهذا أهم شيء الندم والألم والشجى والحزن في القلب الذي يتبعه القالب تصديقاً وتحقيقاً للإنابة والتوبة إلى الله - عز وجل -.
كذلك - أيضاً - من مراتب التوبة وهي الثالثة أن يقتصر على الاستغفار باللسان فيقول: أستغفر الله بعد الإقلاع والندم يقول أستغفر الله ومن أستغفر غفر له ربه ومن سأل الله المغفرة فإن الله يعطيه مغفرته، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: ((يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي)) فإذا استغفر العبد من قرارة قلبه وقال أستغفر الله من قرارة قلبه صادقاً غفر الله له ذنبه فلا يعظم على الله ذنبه ولا يعظم على الله شيء هذه كلها مراتب دّلت عليها الأدلة.