صحيفته حتى يسامحه صاحب الحق، أبداً لا يمكن إلا أن يتحلل من صاحب الحق فهنيئاً لمن رزقه الله السلامة من عباده، هنيئاً لمن عرف حق المسلم على أخيه المسلم فعاش عفيف اللسان عفيف الجوارح والأركان وخرج من الدنيا ولم يظلم عباد الله.
فهذا الحديث عام ((ما من مسلم يذنب ذنباً)) أيضاً هنا وقفة: وهي أنه شاع في هذه الأزمنة الأخيرة أن البعض إذا وقع في فاحشة مثل الزنا-أعاذنا الله وإياكم- لا يرى أنه يخرج من هذه الفاحشة إلا إذا أقيم عليه الحد ولا يمكن أن يغفر له إلا إذا أقيم عليه الحد وهذا ليس بصحيح فإن رحمة الله واسعة ففي الحديث الصحيح عن بريدة - رضي الله عنه - أن ماعزاً بن مالك المازني - رضي الله عنه - وأرضاه- أتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قاعد في المسجد فقال: - يا رسول الله - إني أصبت حداً فطهرني! فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ويحك! ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه)) فرجع ماعز غير بعيد ثم عاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: - يا رسول الله - إني أصبت حداً فطهرني فقال: ((ويحك! ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه)) فرجع غير بعيد حتى كرر أربع مرات، فلما اعترف أربع مرات صارت كل مرة بمثابة الشاهد فتمت عليه الشهود الأربعة كأنه شهد على نفسه أربعاً فقال - صلى الله عليه وسلم - حينما رده إلى رحمة الله ورده إلى اليسر فأصَرَّ ماعز.
وهنا وقفه: قال بعض العلماء: إن ماعزاً أصرّ على هذا فقبل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - اصراره ثم جاء ما ينسخ ذلك يعني مما يدل على أنه ينبغي على المسلم أن يستر نفسه فلما اصر - رضي الله عنه - طبعاً تأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهليته للإقرار فقال: ((أشربت خمراً)) فقام رجل ليستنكهه فوجده لم يشرب خمراً كما في صحيح مسلم ثم قال: ((أبه جنون؟!)) قالوا: - يا رسول الله - ليس بمجنون لأنه يشترط في صحة الإقرار سلامة العقل فلما رآه يصر أربع مرات شك في عقله وهذه دلالة الظاهر، فلما تأكد أن شروط الإقرار متوفرة وأن أهلية الإقرار موجودة أمر به فرجم، فلما رجم بالحرة وأدركته الحجارة ففر فأدركه رجل فضربه بلحي جمل فقتله - رضي الله عنه - وأرضاه- واختلف فيه الصحابة-رضوان الله عليهم- هل يؤاخذ بذنبه أو لا؟ هل هو في الجنة أو في النار تطهيراً؟ فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم وهم يختصمون فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنه الآن ينغمس في أنهار الجنة)) فجاءته بعد ذلك امرأة وقالت: - يا رسول الله - إني أصبت حداً فطهرني فأصرت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أتريد أن تردني كما رددت ماعزاً فلما أصرت أمر بها حتى وضعت حملها ثم فطمت صغيرها ثم أمر عليها فشدت بها ثيابها ثم رجمت-رضي الله عنها وأرضاها- فاختلف فيها الصحابة-رضوان الله عليهم- فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما وجدتم أفضل من أن جادت بنفسها لله - عز وجل -)) ثم قال-عليه الصلاة والسلام- وهذا موضع الشاهد: ((أيها الناس من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله)) فهذا جاء بعد الاعتراف وبعد الإقرار وبعد طلب الحد قال: ((فليستتر