أنه إذا وقع في الذنب ندم ندامة صادقة من قلبه وعقد العزم على أن لا يعود وأقلع عن ذلك الذنب فإذا جاء الشيطان مرة ثانية إليه وأغواه فانكسر ورجع مرة ثانية أهان عدو الله إهانة عظيمة فليس هناك أبلغ من عبد يقع في الذنب ثم مباشرة بعد ذنبه يرجع إلى ربه تائباً منيباً فعندها يهان الشيطان ويذل ويغاظ ويصيبه الحنق والغيظ كيف تَفَلّت منه ذلك الذي كان يبتغي فكم من ذنوب عظمت وخطايا جلت وكثرت ولكنها ذهبت بهذه الجملة الكريمة الطيبة المباركة التي قرع العبد فيها باباً هو باب أرحم الراحمين التي قرع العبد فيها باباً لخير من يتوب على التائبين-سبحانه وهو أرحم الراحمين-.
يقول علي - رضي الله عنه - وأرضاه-: " كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعني الله به ماشاء أن ينفعني به " فهنيئاً لتلك الأذن التي سمعت وهنيئاً ثم هنيئاً لتلك القلوب التي وعت أي شرف وأي فضل وأي نعمة أنعم الله بها على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعينهم وسمعوه بآذانهم ووعوا بقلوبهم يوم كانوا معه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً عشية وإبكارا-صلوات الله وسلامه عليه-، -ورضي الله عنهم أجمعين-.
قال: " فنفعني الله به ما شاء أن ينفعني ": وهنا وفقة أمام هذه الجملة التي نبه العلماء-رحمهم الله- على أن الوحي والعلم يتفاوت الناس في بركته فإذا أراد الله بعبده خيراً نفعه بالعلم وإذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده شرح صدره لطلب العلم وحبب العلم والعلماء إلى قلبه فإذا أقبل على هذا العلم أراد الله أن يعظم أجره وأن يجزل له الخير والبركة فوضع له البركة فيما يتعلم فكم من حديثٍ واحد وعاه عبد مبارك له في علمه نال به مثاقيل الحسنات فوق ما يخطر له على بال؟! الحديث الواحد من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يبلغ العبد به الرضا الذي لا سخط بعده أبداً! وهذا هو العلم المبارك، وقد تجد الرجل يحفظ قصار السور بل قد يحفظ آيات معدودة يسافر إلى قومٍ في البادية فيعلمهم هذه الآيات ويمكث عندهم ما شاء الله معلماً لكتاب الله فإذا به يتعلم على يده الرجال وتتعلم على يده النساء ويتعلم على يده الأطفال فإذا بهذه الألسن لا ينطق أحد منها بحرف مما علمه إلا كان له مثل أجره ولا يعلم أحد منهم هذا الخير وهذا الحرف لغيره إلا كان في ميزان حسنات ذلك الرجل وهذا هو العلم المبارك، ولذلك كان الصحابي يحفظ الحديث الواحد ولكن هذا الحديث يوضع فيه من البركة والخير ما تحتاج إليه الأمة وتستنير به قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل ورعيلاً بعد رعيل وكل ذلك في ميزان حسنات هذا الصحابي الذي حدّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي فضل وأي نعمة، ولذلك لو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
" كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً نفعني الله به ما شاء أن ينفعني به ": وهذا يدل على أنه