تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقوله يا دكتور يتنزه عن قوله أولاد الشوارع و"العربجية". وإذا أردت أن تكفر فلا نملك لك من الله شيئا ولا نحب لك أو لسواك ذلك ولكن أضافة رذيلة الجهل إلى رذيلة البهتان إلى رذيلة الافتراء إلى رذيلة التضليل إلى رذائل كثيرة غير ذلك إلى موبقة الكفر وجمع كل ذلك ثم الادعاء بعد كل هذا بأنك مفكر. ومفكر أسلامي فلعمري إنها لإحدى الكبر. اقرأ يا دكتور لعلك تتخلص من بعض رذائلك ولعل الله يشفي.

ثم يقول: [إذن لِمَ كان انتشار الردة هكذا سريعاً وشبه شامل؟! في اعتقادنا أنه يصعب تصورها ردةً عن الدين لأن عظمة الدين وعطاءه يتضاءل دونهما كل بديل، ولكن الأثرة السياسية والعصبية والقبلية قد دعت القبائل الكبرى إلى أن تتصدى لدولة الإسلام التي حسبوها دولة قريش فأرادوا اقتسام الميزة السياسية] (1).

ويقول: [فحروب الردة لم تكن حروباً دينية لأنها كانت حرباً في سبيل الأمر أي الخلافة والرئاسة والإمامة، وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثم كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى] (2).

ويقول: [لقد كان وراء منع هذه القبائل تسليم الزكاة لحكومة أبي بكر الصديق تخريج استخرجوه لأنفسهم وتأويل تأولوا به قول الله سبحانه وتعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فقالوا: إنهم كانوا يدفعون الزكاة والصدقات إلى من كانت صلاته سكناً لهم وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس كذلك حال أبي بكر الصديق ولا حال غيره، فليس عليهم وفق هذا التأويل أن يدفعوا صدقاتهم إلى من لا يستطيع أن تكون صلاته سكناً، ذلك كان تأويلهم وهو شاهد آخر على إيمانهم بالدين ومن ثم الطبيعة السياسية للحرب التي اشتهرت في تاريخنا باسم حروب الردة والتي وصف هذا الطرف من أطرافها بوصف المرتدين، لكن من الحق ومن الواجب أن نسأل، إذا كان الأمر كذلك فلم اشتُهِر وصف هذه القبائل المسلمة بصفة الردة وسمّوا بالمرتدين هكذا بإطلاق ودون تمييز بين الردة عن الدين والكفر وبين الردة عن الوحدة السياسية للدولة بالانفصال السياسي والانشقاق الإداري، من الحق أن نسأل هذا السؤال، ومن حسن الحظ أنه طرح في تراثنا القديم وأجاب عليه عدد من أئمة الفكر والمؤرخين إجابة نزكيها ونتفق مع مضمونها كل الاتفاق، لقد طرح ابن أبي الحديد (3). في شرح نهج البلاغة هذا السؤال وأجاب عليه، قال: (لم قلت إن الذين قاتلهم أبو بكر وأصحابه كانوا مرتدين؟ فإن المرتد من ينكر دين الإسلام بعد أن يدين به والذين منعوا الزكاة لم ينكروا أصل دين الإسلام وإنما تأوّلوا وأخطؤوا لأنهم تأولوا قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فقالوا: إنما ندفع زكاة أموالنا إلى من صلاته سكن لنا، ولم يبق بعد وفاة النبي من هو بهذه الصفة فيسقط عنا وجوب الزكاة وليس هذا من الردة في شيء وإنما سماهم الصحابة أهل الردة على سبيل المجاز إعظاماً لما قالوه وتأوّلوه).

(1) - الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية،، ص / 109.

(2) - المعتزلة وأصول الحكم، ص / 348.

(3) - ابن أبي الحديد معتزلي شيعي، لا يؤمن أصلاً بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان شأن الشيعة كلهم، ولذلك يرى كلَّ من خرج على أبي بكر - رضي الله عنه - محقاً! لأنه خرج على سلطة غير شرعية ويطالب بسلطة شرعية. هذه هي مصادر محمد عمارة، وعندما كتب عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كانت مصادره كلها شيعية.

محمد عمارة والرواد · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد عمارة والروادص ٧٤