تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالأسواق، جِيفة بالليل، حمارٍ بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة} (1).

قال الشيخ العلامة المحدِّث أحمد بن محمد شاكر المتوفى سنة 1377 هـ - رحمه الله تعالى - في تعليقه على "صحيح ابن حبان": (وهذا الوصف النبوي الرائع، الذي سما بتصويره إلى القمة في البلاغة والإبداع، لهؤلاء الفئام من الناس - أستغفر الله؛ بل من الحيوان -: تجده كل يوم في كثير ممن ترى حولك، ممن ينتسبون إلى الإسلام؛ بل تراه في كثير من عظماء الأمة الإسلامية، عظمة الدنيا لا الدين؛ بل لقد تجده فيمن يلقبون منهم أنفسهم بأنهم "علماء" ينقلون اسم العلم عن معناه الإسلامي الحقيقي، المعروف في الكتاب والسنة إلى علوم من علوم الدنيا والصناعات والأموال، ثم يملؤهم الغرور، فيريدون أن يحكموا على الدين بعلمهم الذي هو الجهل الكامل، ويزعمون أنهم أعرف بالإسلام من أهله، وينكرون المعروف منه ويعرفون المنكر، ويردُّون من يرشدهم أو يرشد الأمة إلى معرفة دينها ردّاً عنيفاً، يناسب كل جعظري جواظ منهم. فتأمل هذا الحديث واعقله ترهم أمامك في كل مكان) اهـ.

ورحم الله الشيخ أحمد بن محمد شاكر إذ أبدى وأعاد في بيان حال سلف هؤلاء من أشقياء الكنانة فقال - رحمه الله تعالى - في مقدمة جامع الترمذي (2): (وليعلم من يريد أن يعلم ... مِن رجل استولى المبشرون على عقله وقلبه فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم يحسبها نوراً، ثم هو قد سماه أبواه باسم إسلامي وقد عُدَّ من المسلمين - أو عليهم - في دفاتر المواليد وفي سجلاّتِ الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي أُلْبِسهُ جنسيةً ولم يعتقده ديناً، فتراه يتأول القرآن ليخضعه لما تعلم من أُستَاذِيْهِ، ولا يرضى من الأحاديث حديثاً يخالف آراءهم وقواعدهم، يخشى أن تكون حجتهم على الإسلام قائمة!! إذ هو لا يفقه منه شيئاً. أومن رجل مثل سابقه إلا أنه أراح نفسه فاعتنق ما نفثوه في رُوعه من دين وعقيدة، ثم هو يأبى أن يعرف الإسلام ديناً أو يعترف به إلا في بعض شأنه في التسمِّي بأسماء المسلمين، وفي شيء من الأنكحة والمواريث ودفن الموتى. أو من رجل مسلم عُلِّمَ في مدارس منسوبة للمسلمين، فعرف من أنواع العلوم كثيراً، ولكنه لم يعرف من دينه إلا نزراً أو قشوراً، ثم خدعته مدنية الإفرنج وعلومهم عن نفسه، فظنهم بلغوا من المدنية الكمال والفضل، وفي نظريات العلوم اليقين والبداهة، ثم استخفَّه الغرور، فزعم لنفسه أنه أعرف بهذا الدِّين وأعلم من علمائه وحفظته وخلصائه، فذهب يضرب يميناً وشمالاً، يرجو أن ينقذه من جمود رجال الدين!! وأن يصفيه من أوهام رجال الدين!! أو من رجل كشف عن دخيلة نفسه، وأعلن إلحاده في هذا الدين وعداوته ممن قال فيهم القائل "كفروا بالله تقليداً" أو من رجل ممن ابتليت بهم الأمة المصرية في هذا العصر، ممن يسمِّيهم أخونا النابغة الأديب الكبير "كامل كيلاني" (المجدِّدينات) ... هكذا - والله - سماهم هذا الاسم العجيب، وحين سأله سائل عن معنى هذه التسمية أجاب بجواب أعجب وأبدع: هذا جمع مخنث سالم! فأقسم السائل أن اللغة العربية في أشد الحاجة إلى هذا الجمع في هذا الزمن)] (3).

(1) - رواه ابن حبان في صحيحه (1/ 230)

(2) - مقدمة جامع الترمذي (ص 71 - 72).

(3) - عن كتاب حراسة الفضيلة للشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد ص 129 - 134.

محمد عمارة والرواد · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد عمارة والروادص ٧