أن يكونوا هم هذه الضباب اليوم ، أو أن يكونوا كانوا موجودين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد مر عليهم من الزمان ما مر ، وأتى عليهم من الدهور ما أتى ، وهذا الخبر عن ابن عباس بإنكاره للمسخ عيشا أكثر من ثلاث ؟
وإن أنت قلت بتصحيح القول الذي روى عن ابن عباس ، قيل لك : فما وجه الخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضباب إذا ، إذ سئل عنها فقال : ' إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه ' ، والمسوخ قد هلكت وبادت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . والذي قدم إليه فامتنع من أكله منها ، والذي سئل عنه منها ، لا هو المسخ ، ولا هو من نسلها ، فما وجوه كراهته أكل ذلك حذارا أن يكون من الأمة التي مسخت ، وهو صلى الله عليه وسلم يخبر أن المسخ لا يعقب ، وابن عباس يذكر أنه لا يعيش أكثر من ثلاث ؟
قيل له : أما الخبر عن ابن عباس الذي روى بما ذكرت من أن المسخ لا يعيش أكثر من ثلاث ، فخبر في سنده نظر ، لعلتين :
إحداهما : أن الضحاك لم يسمعه من ابن عباس .
والثانية : أن بشر بن عمارة ليس ممن يعتمد على روايته .
ولو كان ذلك عن ابن عباس صحيحا ، لم يكن فيه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ، وكذلك أنه ليس في الخبر الذي روى عنه صلى الله عليه وسلم في الضب الذي قدم إليه أو سئل عنه ، أنه قال : ' هو من الأمة التي مسخت بأعيانها ' ، وإنما روى عنه أنه قال : ' لعل هذا منهم ' و ' أرهب أن تكونه ' . وجائز أن يكون عنى بقوله : ' لعل هذا منهم ' ، منهم في الصورة والخلقة ، ولعل هذا من نوعهم في المثال و ' أرهب أن تكونه ' ، بمعنى أن تكون نظيره في المثال