معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً وكنت دائماً – وما زال الكلام لشيخ الإسلام – أذكر الحديث الذى فى الصحيحين فى الرجل الذى قال: "إذا أنا مت فأحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرونى فى اليم فوالله لإن قدر الله علىَّ ليعذبنى عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله ما حملك على ما فعلت قال خشيتك: فغفر له"
فهذا رجل شك فى قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى به اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمغفرة من مثل هذا" (1) انتهى كلام شيخ الإسلام وحسنة الأيام عليه من الله الرحمة والرضوان وجمعنا به مع سيد النبيين فى الفردوس الأعلى – أعلى الجنان – بمنه وكرمه إنه رحيم رحمان ومع هذا كله فإننا لا نملك أن نقيم حد الردة على من ارتد منهم فعلاً عن الإسلام فنحن دعاة واجبنا أن نؤدى الأمانة الكبيرة والتبعة الثقيلة التى حملنا إياها بالبلاغ والبيان والبشارة والنذارة وأن نبين للناس ما غاب عنهم من حقائق وأصول هذا الدين فى غربة الإسلام الثانية والله جل وعلا يخاطب نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾
وبعد ذلك، فإنه يجب علينا جميعاً أن نتحرك بسرعة فى غاية الرحمة والحكمة والشفقة والتواضع لنعلم الناس حقيقة التوحيد الذى أراده الله من خلقه وجاء به رسوله محمد ولا نقف مكتوفى الأيدى ونكتفى – فقط – بإصدار الأحكام عليكم بالكفر أو الإيمان
ومع ذلك فلا ينبغى أن نظن أن الطريق هين لين مفروش بالزهور والورود والرياحين كلا ولكنه طريق طويل طويل حافل بالعقبات والأشواك ومن الحكمة قبل أن نخطوا أن نتعرف على هذه العقبات لنتزود لها بالزاد الذى يناسبها حتى لا ننزلق فى أى منعطف من المنعطفات أو يتوقف بنا المسير عند اصطدامنا بعقبة من العقبات وهى كثيرة كثيرة فلنتعرف عليها فى الخاطرة التالية
(1) بتصرف من مجموع الفتاوى 3/ 219: 231