ونحن في نعم عظيمة لا تحصى ولا تعد، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه+.
ثم ذكر كلاماً وقال:
=كل ما يقضيه الله _ تعالى _ فيه الخير والرحمة والحكمة، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم، ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه، [مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ] النساء:79، فالعبد عليه أن يشكر الله ويحمده دائماً على كل حال، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم، ولا يقضي الله للمؤمن قضاءاً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له+.
وهذه الورقة كتبها الشيخ وأرسلها بعد خروج الكتب من عنده بأكثر من ثلاثة أشهر: في شهر شوال، قبل وفاته بنحو شهر ونصف.
ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق، حمل إلى القاضي علاء الدين القونوي، وجعل تحت يده في المدرسة العادلية.
وأقبل الشيخ بعد إخراجها على العبادة، والتلاوة، والتذكر، والتهجد؛ حتى أتاه اليقين.
وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ثمانين، أو إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر اقتربت الساعة [إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)] القمر، ثم كملت عليه بعد وفاته، وهو مسجى.
كان كل يوم يقرأ ثلاثة أجزاء، يختم في عشرة أيام، هكذا أخبرني أخوه زين الدين.
وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يوماً، وأكثر الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ الخلق إلا نعيه، فاشتد التأسف عليه، وكثر البكاء والحزن، ودخل إليه أقاربه، وأصحابه، وازدحم الخلق على باب القلعة، والطرقات، وامتلأ جامع دمشق، وصلوا عليه، وحمل على الرؤوس، رحمه الله ورضي عنه+ (1).
(1) _ العقود الدرية ص 289_291.
وبعد وفاته رثي بقصائد كثيرة قالها جمع من أكابر علماء عصره وأدبائه، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.