أولاً: تفنن سماحة الشيخ في العلوم: لقد جمع الله لسماحة الشيخ علوماً شتى؛ حتى إنك إذا رأيته يتكلم عن علم من العلوم ظننت أنه تخصصه، وأنه لا يحسن غيره.
فسماحته إمام في الحديث، وعلومه، ومعرفة رجاله، وأحوال رواته، ومعرفة الصحيح من الضعيف، والموضوع، وسترى طرفاً وعجباً من ذلك عند الحديث عن ذاكرة سماحة الشيخ.
وسماحته فقيه من الطراز الأول، ويتجلى فقهه في فتاواه ورسائله الكثيرة.
وإذا ناقش، أو نوقش، أو تكلم أو سئل عن شيء يتعلق بالعقيدة ظن السامع أن سماحته لا يحسن إلا هذا الفن.
وإذا تكلم على تفسير بعض الآيات قلت: هذا هو فنه؛ ففي بعض الأحيان إذا صلى سماحته الفجر، وقرأ بعض الآيات بالمصلين لما كان إماماً، أو سمعها من الإمام لما كان مأموماً، ثم رجع إلى بيته _ طلب عدة تفاسير؛ ليقف على ما قاله المفسرون في معنى الآية أو الآيات.
وبعد ذلك تراه يرجح بعض التفاسير على بعض، وربما مال إلى معنى لا يخطر بالبال، وربما قيده على حاشية بعض التفاسير.
وهكذا علم الفرائض فهو فارس ميدانه، وإن الإنسان ليعجب من هذا الرجل الضرير حين يَحْضُر دروسه، ويرى ضَبْطَه لمسائل الفرائض، وقسمة التركات حتى لكأنه يقرؤها من كتاب.
وكذا إذا تلكم في النحو، قلت هذا عالمه، وهكذا في سائر الفنون الأخرى.
وقد مر، وسيمر في ثنايا الكتاب ما يؤكد ذلك، ويبرهن عليه.
ثانياً: تحضير سماحة الشيخ للدروس: كان سماحة الشيخ × يُحَضِّر للدروس في الغالب؛ فكان يُقرأ عليه ما يتعلق بدرس الصباح من الشروح كفتح الباري، والمجموع شرح المهذب، ونيل الأوطار، والمنتقى وغيرها من الكتب المتعلقة بالدرس الذي يلقيه بعد الفجر، وبدرس بلوغ المرام.
وربما رجع إلى تعليقاته في شروحه القديمة؛ لكي يسترجع معلوماته.
هذا بالنسبة للدروس، أما المحاضرات فلا يكاد يحضِّر لها، وإنما يسأل عن عنوانها قبيل الوصول إلى مكان المحاضرة.