فإذا رأيت هذا المشهد من كثرة الناس وكثرة حاجاتهم وتنوعها، ورأيت حال الشيخ مع الهاتف، ومع من يقرؤون عليه من كُتَّابه، ورأيت كثرة القادمين والمسلِّمين _ أيقنت أن جموعهم لن تَنْفَضَّ، وأن تلك الحاجات والمعاملات تحتاج إلى مدة أسبوع في الأقل؛ ليتم التخلص من بعضها.
وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تَنْفَضُّ تلك الجموع بنفوس راضية، وصدور منشرحة؛ حيث يأخذ كل واحد منهم نصيبه من سماحة الشيخ؛ إما بتوجيه معين، وإما بوعد صادق طيب، وإما بإجابة لسؤال، وإما باستجابة لطلب.
كل الذي تبغي الرجال تصيبه ... حتى تَبَغِّي أن ترى شرواه
سيان بادىءُ فِعْلِهِ وتليُّهُ ... كالبحر أقصاه أخو أدناه
كل ذلك وسماحته يستقبلهم بصدر رحب، وجبين وضَّاح، ونفس كريمة، لا ينهر أحداً، ولا يكهره، مع ما يلقاه سماحته من كزازة، وسوء أدب، وكثرة إلحاح، ومقاطعة من بعض المراجعين، حتى إن الذي يحضر المجلس أول مرة ليعجب أشد العجب، ويظن أن سماحته يتكلف ما يقوم به، ولكن ذلك هو دأبه وأدبه؛ حتى لكأنه هو المعنيُّ بقول البحتري:
خُلُقٌ أتيت بفضله وسنائه ... طبعاً فجاء كأنه مصنوع
وحديثُ مجدٍ منك أفرط حسنُه ... حتى ظَنَنَّا أنه موضوع
وبقوله:
سمحُ اليدين إذا احتبى في مجلس ... كان الندى صفةً لذاك النادي
مُتَهَجِّدٌ يخفي الصلاة وقد أبى ... إخفاءَها أثرُ السجودِ البادي
انظر إليه إذا تلفَّت معطياً ... نيلاً وقُلْ في البحر والوُرَّاد
وإذا تكلم فاستمع من خُطْبَةٍ ... تجلو عمى المتحيِّر المرتاد
أفضى إليه المسلمون فصادفوا ... أدنى البريةِ من تقى وسدادِ
وإذا انصرفوا من عنده انصرفوا مسرورين، وكل منهم يظن أن له منزلة خاصة عند سماحة الشيخ.
وإذا أذن المؤذن بالعشاء أو الظهر، أو العصر أيَّاً كان وقت ذلك المجلس قطع سماحة الشيخ الحديث مع من يهاتفه، أو يحادثه، أو يسأله، أو يقرأ عليه، وشرع بمتابعة المؤذن ومن ثَمَّ يتوجه إلى المسجد.