وفي تلك الأيام اشتدت الأمور على الوالد؛ خوفاً من إلزامه بالقضاء، وكان يقول: أهل عنيزة أصدقائي، فإذا أصبحت قاضياً صار نصفهم أصدقائي، والنصف الباقي أعدائي، وهذا لا يمكن أن يحدث _ بإذن الله _ وكأنه يستحضر بيت ابن الوردي الذي يقول فيه:
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأعمال هذا إن عدل
وكان الوالد لا يرغب أبداً في القضاء؛ تورعاً؛ لأنه يرى أن القضاء صعب، وأنه ربما عاقه عما هو بصدده من التعليم والإصلاح، والتأليف.
واشتد عليه الأمر لما بلغه أن الملك عبدالعزيز × في عنيزة تلك الأيام، وأنه قال للأمير: =لقد رأينا تعيين الشيخ ابن سعدي قاضياً لكم يا أهل عنيزة+.
ولقد تكدر الوالد لذلك أشد التكدير؛ حتى كان يُغمى عليه في بعض الأوقات، وكان لا يشتهي الطعام إذا مرت بخاطره تلك الأخبار.
كل ذلك مع أن الوالد لم يُبَلَّغْ رسمياً، بل هي مجرد أخبار.
وكان لدى الوالد أمل، وثقة بلطف الله، وأنه _ عز وجل _ سيصرف عنه ذلك الخطب.
وكان × يذهب في آخر الليل إلى المسجد الحرام هو وأبو عبود، ومحمد ابن منصور الزامل، والأخ عبدالله، فيصلون، ويطوفون حتى صلاة الفجر، وبعدها يجلسون في الحرم إلى أن ترتفع الشمس.
أما أنا فقد كنت شاباً صغيراً أقوم وأصلي في المسجد القريب عند بيت أخي عبدالله، وبعد الصلاة أرجع وأنام؛ حتى يأتي الوالد ومن معه؛ فأقوم وأصحبهم إلى من استضافهم على الإفطار.