تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل حبيب(1) إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم؟ ولمه جاز أن يعارض الفقهاء من مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنُّظَّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذَّ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمر لا يُدْرَكُ ولا يدرى قدره؟

ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولَكَلَّت أَلْسُنٌ لسِنَةٌ، ولما توشَّى أحد بالخطابة، ولا سلك شِعْباً من شعاب البلاغة، وَلَمَجَّتِ الأسماع كل مردود مكرر، ولَلَفظت القلوب كل مُرَجَّع مُمَضَّغ، وحتَّام لا يُسْأَم:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي(2)

وإلى متى: صَفَحْنا عن بني ذهل(3)

ولِمَه أنكرت على العِجْليِّ معروفاً؟ واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبي تمام في زعمه أن في كتابه تكريراً وتصحيفاً، وإيطاءاً وإقواءاً، ونقلاً لأبيات عن أبوابها إلى أبوابٍ لا تليق بها ولا تصلح لها إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة، وأمور عليلة؟ ولمه رضيت لنا بغير الرضى؟ وهلا حثثت على إثارة ما غَيَّبَتْهُ الدهور، وتجديد ما أخلقته الأيام، وتدوين ما نَتَجَتْهُ خواطرُ هذا الدهر، وأفكار هذا العصر، على أن ذلك لو رامه رائمٌ لأتعبه، ولو فعله لقرأت ما لم ينحط عن درجة مَنْ قَبْلَه: مِنْ جدٍّ يروعك، وهزل يروقك، واستنباط يعجبك، ومزاحٍ يلهيك.

وكان بقزوين رجل معروف بأي حامد الضرير القزويني، حضر طعاماً وإلى جنبه رجل أكول، فأحس أبو حامد بجودة أكله فقال:

وصاحب لي بطنه كالهاوية

(1) _ يعني به: أبا تمام: حبيب بن أوس الطائي.

(2) _ يشير إلى قول القائل: لو كنت .... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

(3) _ يشير إلى قول الفِنْد الزماني:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

تراجم لتسعة من العلماء · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تراجم لتسعة من العلماءص ١٣