تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأخذ بهذه السيرة _ أعني الاعتدال حال نزول الفتن _ ينفع كثيراً، ويدفع الله به شراً مستطيراً؛ لأن الناس حال الفتن يموجون، ويضطربون، وربما غاب عنهم كثير من العلم؛ فلذلك يحتاجون _ وخصوصاً من كان عالماً، أو رأساً مطاعاً _ إلى لزوم السكينة، والاعتدال؛ حتى يُثَبِّتوا الناس، ويعيدوا الطمأنينة إلى النفوس، ولا تقطعهم تلك النوازل عما هم بصدده من عمل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =ولهذا لما مات النبي "ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم؛ حتى أوهنت العقول، وطيشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في الطويِّ(1) البعيدة القعر؛ فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه، ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخة القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماته؛ فقام الصديق ÷ بقلب ثابت، وفؤاد شجاع فلم يجزع، ولم ينكل قد جُمع له بين الصبر واليقين فأخبرهم بموت النبي " وأن الله اختار له ما عنده، وقال لهم: =من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)] (آل عمران).

فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية حتى تلاها الصديق فلا تجد أحداً إلا وهو يتلوها، ثم خطبهم فثبتهم وشجعهم.

قال أنس ÷: =خطبنا أبو بكر ÷ وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود+.

(1) _ جمع رشاء وهو الحبل، والطوي: البئر المطوية بالحجارة.

رسائل في أبواب متفرقة · الصفحة ٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل في أبواب متفرقةص ٨٧