الحياء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الحياء خلقُ الإسلام، وشعبةٌ من شعب الإيمان، ومقامٌ عالٍ من مقامات الإحسان.
والحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير.
قال الله _ تعالى _: [أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى] (العلق:14).
وقال _ عز وجل _: [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] (النساء:1).
وقال _ تعالى _: [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] (غافر:19).
وفي صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عمر ÷ أن رسول الله " مرَّ برجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال: =دعه؛ فإن الحياء من الإيمان+.
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين ÷ عن النبي " أنه قال: =الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان+.
وفيهما عن أبي سعيد الخدري ÷ أنه قال: =كان رسول الله " أشد حياءاً من العذراء في خدرها؛ فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه+.
وفي سنن ابن ماجة عن أنس ÷ أن النبي " قال: =إن لكل دينٍ خُلقاً، وخُلُق الإسلام الحياء+ حسنه الألباني في صحيح الجامع.
وفي صحيح البخاري وغيره عن النبي "أنه قال: =إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئت+.
قال النووي × في قوله: =فاصنعْ ما شئت+: =أمرُ إباحةٍ؛ لأن الفعلَ إذا لم يكن منهياً عنه كان مباحاً.
ومنهم من فسر الحديث بأنك إذا كنت لا تستحي من الله _ تعالى _ ولا تراقبه _ فأعطِ نفسَك مناها، وافعل ما تشاء؛ فيكون الأمر فيه للتهديد لا للإباحة، ويكون كقوله: [اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ] (فصلت:40)، وكقوله: [وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ] (الإسراء:64) +ا. هـ.
وقال ابن القيم × في قوله: =فاصنع ما شئت+ قال: =وفي هذا قولان:
أحدهما: أنه أمر تهديد ومعناه الخبر، أي من لم يستحِ صنع ما شاء.