تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا ما يجعل الدعوة إلى إصلاح العقائد، والسلوك، والأخلاق من أفضل الواجبات، وأحمد المساعي.

وإن المتأمل في أحوال المسلمين في عصورهم المتأخرة ليجد بوناً شاسعاً وبعداً سحيقاً بين أحوالهم، وبين ما يدعوهم إليه دينهم.

ولهذا أصبحت أمة الإسلام غرضاً لأعدائها، الذين تسلطوا عليها، وجاسوا خلال ديارها؛ فساموا كثيراً منها سوء العذاب، وكانت أمة مُمَنَّعَةً عزيزةً مهيبة الجناب.

إلا أنها لما نسيت حظاً مما ذكرت به هوت من عليائها، ونزلت من شامخ عزها، ولقيت صغاراً بعد شمم، وذلاً بعد عزة، وجهلاً بعد علم، وبطالة بعد نشاط، وتقاطعاً بعد ائتلاف، وكادت أن تشرف على حضيض التلاشي والفناء.

وهذا ما يؤكد على ضرورة الرجوع للدين، وأهمية التربية على عقائده الصحيحة، وأخلاقه الغراء؛ فللتربية الدينية في ترقية النفوس، وتهذيب الأخلاق أثرٌ أعظم من كل أثر؛ فإن التربية غير الدينية قد تضعف أمام كثير من الأهواء الطاغية؛ فلا تستطيع كبح جماحها.

أما التربية الدينية فلديها من المتانة ما يطارد هذه الأهواء.

وليس الذي يؤمن بأنه سيقف بين يدي علاّم الغيوب، فيحاسبه على ما ارتكبه من جنايات، ويجازيه عليها جزاء العادل الحكيم مثل الذي لا يعرف زاجراً عن الجناية سوى موضع لوم من يطَّلعون عليها، أو عقوبةِ من ترفع إليهم قضيتها.

ثم إن النفس الإنسانية _ في مبدأ فطرتها _ عاريةٌ من سائر الأخلاق خيرها وشرها، ولكنها فطرت على استعداد وقبول لما يؤثِّره فيها التعليم، والاقتداء من الأخلاق الفاضلة.

وهذا الاستعداد هو الذي جعلها متوجهة بفطرتها نحو السبيل الملاقي للحكمة؛ فإذا أُلْقِمَت ثدي التربية كانت سرعة انطباع الخلق وبطؤُهُ على قدر ما يبلغه ذلك الاستعداد الفطري من القوة والضعف.

ومما يرشد إلى أن النفوس متهيئة بطبيعتها إلى الأحوال الشريفة قوله ": =ما من مولود إلا يولد على الفطرة+ رواه البخاري ومسلم.

رسائل في أبواب متفرقة · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل في أبواب متفرقةص ٣