وبالجملة فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فالجزاء من جنس العمل [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)] (الزلزلة).
مثال على من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه:
وإذا أردت مثالاً جلياً، يبين لك أن من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه فانظر إلى قصة يوسف _ عليه السلام _ مع امرأة العزيز، فلقد راودته عن نفسه فاستعصم، مع ما اجتمع له من دواعي المعصية، فلقد اجتمع ليوسف ما لم يجتمع لغيره، وما لو اجتمع كله أو بعضه لغيره لربما أجاب الداعي، بل إن من الناس من يذهب لمواقع الفتن بنفسه، ويسعى لحتفه بظلفه، ثم يبوء بعد ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة إن لم يتداركه الله برحمته.
أما يوسف _ عليه السلام _ فقد اجتمع له من دواعي الزنا ما يلي:
1_ أنه كان شاباً، وداعيةُ الشباب إلى الزنا قوية.
2_ أنه كان عزباً، وليس له ما يعوضه ويرد شهوته.
3_ أنه كان غريباً، والغريب لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه بين أصحابه ومعارفه.
4_ أنه كان مملوكاً؛ فقد اشتريَ بثمن بخس دراهم معدودة، والمملوك ليس وازعه كوازع الحر.
5_ أن المرأة كانت جميلة.
6_ أن المرأة ذات منصب عال.
7_ أنها سيدته.
8_ غياب الرقيب.
9_ أنها قد تهيأت له.
10_ أنها غلقت الأبواب.
11_ أنها هي التي دعته إلى نفسها.
12_ أنها حرصت على ذلك أشد الحرص.
13_ أنها توعدته إن لم يفعل بالصغار.
ومع هذه الدواعي صبر إيثاراً واختياراً لما عند الله، فنال السعادة والعز في الدنيا، وإن له للجنة في العقبى، فلقد أصبح السيد، وأصبحت امرأة العزيز فيما بعد كالمملوكة عنده، وقد ورد أنها قالت: =سبحان من صير الملوك بذل المعصية مماليك، ومن جعل المماليك بعز الطاعة ملوكاً+.
فحري بالعاقل الحازم أن يتبصر في الأمور، وينظر في العواقب، وألا يؤثر اللذة الحاضرة الفانية على اللذة الآجلة الباقية.