وكان _ عليه الصلاة والسلام _ ينظر إلى حال القوم يوم الخطبة؛ فيلقيها على مقتضى حالهم، فيأمر بمعروف أخلوا به، أو يحذر من مكروه اقتربوا منه، وجرى على هذا الخلفاء الراشدون، والخطباء المصلحون، وهذا منذر بن سعيد قاضي قرطبة رأى الخليفة عبدالرحمن الناصر قد أسرف في تشييد المباني وزخرفتها، كما صنع في بناء الزهراء، فاتجه بخطبته إلى هذا الغرض، وأنكر فيها الإسراف في البناء والزخرفة، وإنفاق الأموال في غير مصلحة.
وشأن الخطب التي تلقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم أن لا يتعرض الخطيب فيها إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو يتناولونها على غير وجهها.
وكانت خطب النبي " جارية على هذا الشأن، بحيث يستوي في فهمها الطبقات المختلفة دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل.
وكان الصحابة _ رضي الله عنهم _ يراعون هذا الأدب الحكيم؛ فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب أراد أن يخطب أيام الحج في أمر عرض له، فقال له عبدالرحمن بن عوف: =لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبونك على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطيروا بها كل مطار، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله " المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك، وينزلوها على وجهها+.
وطالما حاد أكثر الناس بالخطب عن سيرتها في عهد النبوة، فبعد أن كان الخطيب يصور المعاني بفكره، ويكسوها بألفاظ من عنده، ثم يلقيها مقبلاً على الناس ببصره، كما كان يفعل النبي " والخلفاء من بعده _ صار الخطيب يبحث عن خطبة صدرت من قريحة غير قريحته، وكتبت بقلم غير قلمه، فيقف ممسكاً لها بيده، مقلباً فيها وجهه.
ولا مرية أن الخطبة التي تصدر من قلب الخطيب، مصوغة بعبارات من صنعه، هي أجدى نفعاً، وأعظم في النفوس أثراً من خطبة يستعيرها من غيره.