كانت في ظلمات من الجهل، فأصبحت في نور من العلم دون أن يجلب إليها من بلاد أجنبية، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها يلقي إليها الحكمة بنفسه، ويزكّيها بما يتحلى به، أو بما يدعوها إليه من خصال الشرف والحمد.
نرى في محمد"رجلاً أقام بين هذه الأمة شريعة تقرر حقوق الأفراد والجماعات، وتشتمل بتفاصيلها وأصولها على كل ما يحتاج إليه في فصل القضايا من أحكام هي مظهر العدل والمساواة، ولم يعقد لهذه الشريعة لجنة تتألف من أشخاص درسوا قوانين بعض الأمم، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها يملي عليها أحكام الوقائع مدنيةً كانت أو جنائية، يمليها عليها بالحضر والسفر، يمليها عليها في يوم السلم أو في مواطن القتال.
نرى من محمد " رجلاً يستخف بأشياع الباطل، ولا تأخذه الرهبة من كثرة عددهم ووفرة أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة ويفوز عليهم فوزاً عظيماً، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم؛ حذراً من الموت، بل ترونه يقود الجند ويدبر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يولِّيهم ظهره وإن تزلزل موقف جنده وانصرفوا من حوله جميعاً.
نرى من محمد " رجلاً يصرف عنايته في تزكية الأمة وتدبير شؤونها والقيام بجهاد عدو هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليل قانتاً لله متهجداً، ثم يملأ جانباً من النهار في عبادة ربه متطوعاً.
نرى من محمد " رجلاً زاهداً في متاع هذه الحياة، ولو كان للشهوات عليه من سبيل لذهبت به في ابتغاء العيش الناعم مذهب أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا، ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوع أيمانهم خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيراً أو قليلاً.
أما تعدد زوجاته _ عليه الصلاة والسلام _ فقد كان لمصالح جليلة ومقاصد نبيلة، ندع تفصيل القول فيها إلى محاضرة أخرى.