تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأمة التي تملك الشجاعة الحربية لا تصل إليها يد العدو بأذى، فإذا ضمَّت إلى ذلك الشجاعة الأدبية استقامت شؤونها الداخلية، وأمنت من أن يفسد عليها رؤساؤها أمر سياستها، أو يضلوا السبيل، فيهيئوا لأبنائها مستقبلاً منكراً شقياً.

ومن تلك الوجوه ما أتى فيه من كلمات العتاب لرسول الله " على أشياء فعلها أو همَّ أن يفعلها، ووجه دلالتها على أن دعوته لله خالصة، ما نراه في طبائع الرجال ولا سيما ذوي المكانة في قومهم من أنهم يحرصون ما استطاعوا على أن تكون جميع آرائهم في نظر الناس سديدة، وجميع أعمالهم حكيمة، ولو كان محمد " من أولئك الذين يدعون القرب من الله والكرامة عنده رياءًا وخداعاً، وكان هذا القرآن من تأليفه كما يزعم الجاحدون _ لوجد نفسه في غنى عن هذه الآيات التي تحمل وتدل قرَّاءها على أنه فعل خلاف ما هو الأولى.

لو كان القرآن من تأليف محمد _عليه الصلاة والسلام_ وكان محمد من عظماء الرجال فقط دون أن يكون مبعوثاً من الله هادياً ونذيراً، لما أودع في الكتاب آية: [عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)] عبس.

وقد كان لمحمد _ صلوات الله عليه _ أن يعتذر لابن أم مكتوم حين انصرف عنه بوجهه بأنه كان يرجو هداية أولئك الغاوين الذين تصدى لدعوتهم، وكل أصحابه يتلقون هذا العذر بقبول، ولكن الله _تعالى_ يريد أن يعلمنا أن للنفوس الزاكية مزيداً وفضلاً على النفوس الطاغية؛ فليس لأحد أن يعبس في وجه نفس تطلب الخير، ملتفتاً عنها إلى نفس مضروبة في الغواية.

السيرة النبوية:

محمد رسول الله · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد رسول اللهص ١٣٩