والحقيقة أن دلالة القرآن على محمد " لا تنحصر في ناحية واحدة، بل هي ذات وجوه مختلفة، يجتليها كل من يتلوه بيقظة، أو يلقي إليه أذناً واعية.
بلاغته:
ومن هذه الوجوه بلوغه في فصاحة الألفاظ، وبلاغة المعاني، وجودة النظم _ منزلةً تقف دونها فطاحل البلغاء.
ذلك أن البلاغة لعهد البعثة المحمدية قد وصلت إلى درجتها العليا، كان العرب يتنافسون في فنونها، ويطلقون الأعنّة في مضمارها، حتى أتى محمد صلوات الله عليه بما عجز عن أن يأتي بمثله بلغاء العرب قاطبة.
ثم إنك تجد القرآن لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب البديع، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، ويضيق باعه في فنونه الأخرى؛ فلا يدرك فيها سوى المنزلة المتوسطة أو السفلى.
وإذا نظرت إلى الأفراد الذين يفوقون أقرانهم فصاحة وبلاغة، ويصبح كل واحد منهم علماً في عصره يشار إليه بالبنان _ لم تجد منزلتهم بعيدة من منازل البارعين من غيرهم بعد أن يجعلها خارقة للعادة، كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منظوم الشعراء، ومنثور الخطباء.
وإذا بدا لنا أن في الإسلاميين أو المحدثين من يفوق بلغاء العرب يوم البعثة _ فالفضل في هذا عائد إلى القرآن، إذ كانوا يهتدون بنور بيانه، ويجتهدون في أن ينسجوا على منواله، وهم على ما سنَّه القرآن من طرق الإبداع، وأدناه من قطوف البيان لم يستطيعوا أن يأتوا بما يدانيه فضلاً عما يقف بجانبه.
وقد كان رسول الله " أفصح العرب منطقاً، ونجد الفرق بين حديثه والقرآن الكريم جلياً واضحاً، ومن عقد بينهما مقايسة رأى حق اليقين أن أولئك الذين يقولون: إن القرآن من تأليف محمد قوم لم يذوقوا للبلاغة طعماً، أو لم يهتدوا للإنصاف سبيلاً.
ومن تلك الوجوه ما احتواه من الأخبار عن أمور من قبيل الغيب، وظهرت بَعْدُ كما أخبر.
ومن شواهد هذا الوجه قوله _تعالى_: [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] (المائدة:67).