كثيراً ما نسمع من يقول: قصر فلان في حقي, ولم يعرف فلان قدري, وضاع جميلي عند فلان, ولم يثمر صنيعي عند فلان وفلان.
وكثير من الناس يشتكي كنود صديقه, أو جحود رصيفه, أو تنكر ربيب نعمته.
فترى هؤلاء يلومون من لم يَقْضِهِمْ حقَّ الزيارة, أو التحية، أو الرفد, أو المواساة.
ولا ريب أن نسيان الفضل, ومقابلة الإحسان بالإساءة _ ثقيل على النفس، بل ربما كان ذلك سبباً في قطع الإحسان كما قال عنتره:
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفرُ مَخْبثةٌ لنفس المنعم
بل إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، وقد قال الله _ عز وجل _ لنبيه _ عليه الصلاة والسلام _: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا] ثم قال: [وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ].
فأمر النبي" أن يدعو للأغنياء إذا أخذ منهم الزكاة، وفي ذلك شكر لهم، وتقدير لصنيعهم.
ومع ذلك فإنه يجدر بمن أسدى معروفاً، وقدَّم جميلاً أياً كان ألا ينتظر مقابله جزاءً ولا شكوراً، ولا حتى دعاءً.
وأن يستحضر _كذلك_ أنه قد يوجد في الناس من هو لئيم الطبع، قليل الشكر؛ بل منهم من يحسد حتى من يحسن إليه.
ولكن ليس بالضرورة أن يسمى تاركُ الشكر ناكراً للجميل؛ إذ قد يعترف بالجميل، ويضمر له المحبة، والدعاء، ولكنه قد يكون مشغولاً بأمور تلهيه عن تقديم الشكر، أو رد الجميل.
وقد يكون بارد الطبع، فقير المشاعر؛ فلا يعبر عن عواطفه المكنونة، وإن كان قلبه منطوياً على الشكر والعرفان.
ولهذا فإن القياس قد لا ينضبط في هذا الباب؛ فقد تُقَدِّم معروفاً واحداً لمجموعة من الناس؛ فيلقى أرضاً طيبة عند بعضهم، ولا يلقى شيئاً من ذلك عند آخرين.