فهذا أحدهم يكره أيام الوصال؛ لأنها مؤذنة بالفراق والوداع, ويحب أيام الهجر والبعاد؛ لأنها قد تفضي إلى اللقاء, فيقول:
أحب لياليْ الهجر لا فرحاً بها ... عسى الدهر يأتي بعدها بوصال
وأكره أيام الوصال لأنني ... أرى كل وصل محكماً بزوال
وهذا ابن زريق يصور موقف الوداع فيقول:
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودَّعته وبودي لو يودعني ... طيب الحياة وأني لا أودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحًى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه
وهذا آخر يصور ذلك، فيقول:
ومما شجاني أنها يوم ودعت ... تولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إليَّ التفاتاً أسلمته المحاجر
وهذا آخر يؤمل يوم الوداع بالرجوع, واللقاء, فيقلب كلمة الوداع, فتكون كلمة عادوا؛ تفاؤلاً بالاجتماع مرة أخرى, فيقول:
لا تأسَ يا قلبُ من وداع ... فإن قلب الوداع عادوا
ولأبي الطيب وقفات مع الوداع تملأ ديوانه؛ فها هو يصور لوعة الوداع، فيقول:
حُشاشة نفسٍ ودعت يوم ودعوا ... فلم أدرِ أيّ الظاعنين أشيعُ
أشاروا بتسليم فجُدْنا بأنفسٍ ... تسيل من الآماقِ والسِّمُّ أدمعُ
حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
ولو حُمِّلت صم الجبال الذي بنا ... غداة افترقنا أوشكت تتصدع
ويقول في موضع آخر:
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي ... فارقتني فأقام بين ضلوعي
أوما وجدتم في الصَّراة ملوحةً ... مما أرقرق في الفرات دموعي
ما زلت أحذر من وداعك جاهداً ... حتى اغتدى أسفي على التوديع
رحل العزاء برحلتي فكأنما ... أتبعته الأنفاس للتشييع
ويقول في موضع آخر:
ولم أرَ كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن بكل القتل من كل مشفق
أدرن عيوناً حائرات كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق
عشية يعدونا عن النظر البكا ... وعن لذة التوديع خوف التفرق
وبعد فهذا شيء من توديع قد يعقبه لقاء؛ فكيف بتوديع لا لقاء بعده في هذه الدنيا؟!