تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي آخر ليلة قضاها في الرياض جاء الناس إليه أفواجاً تلو أفواج للسلام عليه، وتوديعه؛ حيث جاء المئات من المسلِّمين والمودعين، وقد حَسَبْتُ مَنْ ضَمَّهم المجلس في آن واحد وإذا هم ثمانون شخصاً قد امتلأت بهم المقاعد، وجلسوا على الأرض، والذين خرجوا قبلهم أكثر منهم.

=تدني صحة سماحة الشيخ+

ولما وصل إلى الطائف بدأت صحته بالتدني، ولكن همته، وعزيمته، ونشاطه، وعمله، ومزاجه وتفكيره وذاكرته، وعنايته بضيوفه، كل ذلك لم يتغير منه شيء مع أنه يعاني أشد المعاناة، ومع أنه كان في رمضان لا يستطيع أن يتناول إلا تمرة أو تمرتين في اليوم، وبعد رمضان لم يكن يتناول إلا سوائل قليلة جداً من حليب، أو شوربة أو ما شاكل ذلك، وهكذا في شوال.

أما في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم فلم يكن يتناول إلا السوائل، بل لم يكن يتناول في اليوم إلا كأس حليب صغيراً، حتى التمر الذي كان أحب الطعام إليه_كما يقول_لم يكن يستطيع تناوله؛ فلم يكن يتناول إلا كأساً صغيراً من الحليب، وكان يشربه بتَكَرُّهٍ، وإذا كثر الإلحاح عليه شرب ثانياً على مضض؛ لأنه كان يعاني من جرَّاء الشرب، ويظهر عليه التأثر إذا تناول ثانياً، وربما تقيأه، وكان يؤتى له بعصير الجزر، فكان لا يستطيع أن يتناول إلا ربع الكأس، واستمر على تلك الحال حتى فارق الحياة.

ومع هذا كله فإن عمل سماحته هو هو.

=آخر دروسه التي ألقاها+

ولما وصلنا إلى الطائف عزم سماحته على البدء بإلقاء دروسه المعتادة؛ فقلت له؛ رأفة بحاله: إن كثيراً من الطلاب والمدرسين الذين يحضرون دورسكم مشغولون هذه الأيام بالامتحانات، ويرغبون أن تؤجلوا الدروس؛ لتعم الفائدة.

فقال×: الدرس سيبدأ يوم الاثنين الآتي في أول شهر الله المحرم، والذي يحضر حياه الله، ولن نتوقف؛ فبدأت دروسه، واستمر في إلقائها ولم يكن يأتي من الدرس إلا بعد ساعتين من بدايته.

=آخر درس ألقاه+

جوانب من سيرة ابن باز · الصفحة ٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جوانب من سيرة ابن بازص ٣٨٣