تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعيب المخلوقات وتنقصها بمنزلة العيب لصانعها وخالقها؛ لأنها صُنْعه وأَثَر حكمته، وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه، وهو أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين، وله في كل شيء حكمة.

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].

فالمؤمن لا يعيب إلا ما عابه الله، ولا يذم إلا ما ذمه الله، وإذا سبق إلى قلبه ولسانه عيب ما لم يعبه الله، وذم ما لم يذمه الله تاب إلى الله منه، كما يتوب صاحب الذنب من ذنبه.

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].

فالعبد يستحي من ربه أن يكون في داره، وهو يعيب آلات تلك الدار وما فيها، فيقول: لوكان كذا مكان كذا لكان خيرًا، أو يشاهد الملك الحق يولي هذا ويعزل هذا، ويعطي هذا ويَحْرِم هذا، فيقول: لو وُلِّي هذا المكان فلان لكان خيرًا ولو عُزل هذا المتولي لكان أولى، ولو عوفي هذا، ولو أغنى هذا ... وهكذا.

فكيف يكون مقت الملك لهذا المعترض، وإخراجه من قربه؟

فوا عجبًا .. كيف ينازع العبد ربه منازعة جاهل عاجز ضعيف، ليس له من الأمر شيء؟. وهو مع ذلك ينازع الله ربوبيته وحكمته وتدبيره، ولا يرضى بما رضي الله به، ولا يسكن عند مجاري أقداره، بل هو عبد ضعيف فقير مسكين جاهل ظالم في مجموع حالاته فيرى نفسه غنيًا، ويرى نفسه عارفًا محسنًا.

فما أجهله بنفسه .. وربه .. وما أتركه لحقه .. وما أشد إضاعته لحظه.

ولو أحضر العبد رشده لرأى ناصيته ونواصي الخلق كلهم بيد الله سبحانه، يرفعها ويحفضها كيف يشاء؟ وقلوبهم بيده يقلبها كيفما يشاء؟ يقيم منها ما يشاء ويزيغ منها ما يشاء، لكمال علمه ورحمته وحكمته.

ويرى نفسه عبدًا لربه، تُقَلِّبه وتُصرِّفه يد القدرة، مستسلم لله، ينظر بقلبه إلى

موسوعة فقه القلوب · الجزء ٤ · الصفحة ٣٤٥٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موسوعة فقه القلوبج ٤ · ص ٣٤٥٢