تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما قدم المدينة الخليفة المهدي، أقبل الناس عليه مسلمين، فلما أخذوا مجالسهم جاء مالك، فقالوا: "اليوم يجلس مالك آخر الناس"، فلما دنا، ونظر ازدحام الناس، وقف، وقال:

"يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟ "، فناداه المهدي: "عندي يا أبا عبد الله! "، فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى، وأجلسه بحانبه.

...

وبهذه العزة أجاب العالم الضرير المحدث أبو معاوية محمد بن خازم هارون الرشيد، لما صب الماء على يديه، وأعلمه بذلك بعد أن فرغ: "إنما أكرمت العلم يا أمير المؤمنين".

...

عزل الإمام "ابن دقيق العيد" -رحمه الله- نفسه عن القضاء في بعض المرات، ثم طلب ليولى، وقام السلطان الملك المنصور "لاجين" له واقفا لما أقبل، فصار يمشى قليلا قليلا، وهم يقولون له: "السلطان واقف"، فيقول: "أديني بأمشى!! "، وجلس معه على الجوخ حتى لا يجلس دونه، وقبل السلطان يده، فقال ابن دقيق العيد: "تنتفع بهذا"!

= سقاية، والناس. يشربون منها، فدنا منها ليشرب، ولم يعرفه الناس، فزحموه، ودفعوه، فلما خرج قال لي: "ما العيش إلا هكذا"، يعني حيث لم نعرف ولم نوقر)، فإن غاية ما فيه أنه لم يعرف، فعومل كسواد الناس، لا أنه ذل، وهذا عين ما حرص عليه أويس القرني -رحمه الله- حين قال له عمر -رضى الله عنه-: "أين تريد؟ "، قال: "الكوفة"، قال: "ألا أكتب لك إلى عاملها؟ "، قال: "أكون في غبراء الناس أحب إلي" رواه مسلم، و"غبراء الناس": ضعافهم، وصعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يؤبه لهم.

علو الهمة · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

علو الهمةص ١٠٨