تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

425 أنظر إليه، رجل عظيم البدن، تعلوه حمرة كأنه قطعة نور، إذا رأيته قلت: هو هو. و ربما سمع منه في بعض الأحيان صيحة يصيب [السامع] لها رعب في قلبه، و كنت أقول: يا ترى، من أي شيء يصيح؟ انتهى.

و له-رضي اللّه عنه-كلام عال في المعارف و الحقائق. و له كلام كثير في الطريق نظما و نثرا، إلا أنه غامض لا يفهمه إلا من فتح عليه. و كتب إليه الشيخ ناصر الدين اللقاني من مصر يسأله عن تفسيرالفاتحةعلى طريق القوم، فكتب إليه بشيء من ذلك، فلما انتهى إليه ما كتبه أعجب به و أعاد الكتاب إليه بالاعتراف به. و كان سأله مع ذلك عن القطب: أين هو؟ فكتب إليه يشير إلى نفسه، فلما بلغه الجواب قال لحاضريه: هذا صاحب الوقت، فمن أراد لقاءه فليتوجه إليه.

قال صاحبالدوحة: حدثني الشيخ أبو عبد اللّه الدقاق 1، و كان مختصا به، قال لي: كان الشيخ-رضي اللّه عنه-دأبه الحركة في أسباب الحراثة و استخراج المياه، و كانت الدنيا لا تنجح على يده، و طعامه المأكول بزاويته لا يزيد على الملح و الماء شيئا ساذجا، و كل ما يأتيه من أسباب الدنيا يدفعه لذوي الحاجات. و شأنه ملازمة الذكر 2، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. وقعت له الإجابة في سائر أقطار المغرب، و خلف المئات من المشيخ. كان لسان الحال لديه أفصح من لسان المقال.

و قال سيدي عبد اللّه الهبطي: كان يجيب بالحال 3 أكثر مما يجيب بالمقال. و كان يأمر أصحابه بالحراثة و الغرس و الخدمة و حفر السواقي، فحفر مرة مع بعض إخوانه [328] ساقية، /و من حفر ساقية في عادتهم صنع طعاما، فصنعه صاحبه و أكلوا، فقالوا للشيخ:

بقي طعامك يا سيدي، فأي وقت نأكله؟ فقال لهم: نرجو اللّه أن يفتح لنا غدا من عنده، فلما كان من الغد، و نحن جالسون معه، إذ سمعنا صياحا، فإذا بشيء أمامنا يعلوه غبار بعد، و الناس خلفه، و هو يقرب حتى دنا منا، فإذا هو واحد من بقر الوحش، فبرك أمام الشيخ، فأمرهم بذبحه و صنع طعاما فأكلوه، فعلموا أنها كرامة له رضي اللّه عنه.

كذا في ت.

1) محمد الدقاق، دفين مراكش، من كبار المتصوفة. (راجع: الممتع: 69، الدوحة: 97، التحفة: 34).

2) الذكر هو «استحضار اللّه في القلب (. . .)، إما أن يصحبه ذكر اللسان، أو لا يصحبه». (راجع: حسن الشرقاوي: معجم ألفاظ الصوفية، مؤسسة مختار، القاهرة، 1987: 143).

3) يفرق الصوفية بين الحال و المقام، بمعنى أن ما يرد على القلب من غير اكتساب و تصنع فهو من الأحوال، بينما المقامات تحصل ببذل المجهود. (انظر التعريفات للجرجاني: 36).

الحضيكي · الصفحة ٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحضيكيص ٥٣٥