تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

414 و رجع مرة للتدريس في فصل الشتاء فأصبح على كرسيه، فلم يجد إلا القارئ الذي يقرأ بين يديه، فسأله عن الطلبة و الناس، فقال له: يا سيدي، إنهم قد ذهبوا كلهم إلى رجل في مقصورة المسجد، يزعم أنه عيسى بن مريم، و تظهر على يديه خوارق و انفعالات، و تنزل بين يديه موائد طعام لا يدري أحد حيث تأتي.

فقال الشيخ: اذهب بنا إليه، فلما أشرف عليه وجد عنده آلافا من الخلق لا يحصون، فجلس الشيخ، و قال له: أخبرني عن الواجب و المستحيل و الجائز في حق اللّه تعالى و في حق الرسل عليهم الصلاة و السلام، فلم يجبه بشيء، فقال له: ما حالك؟ فقال له: أنا عيسى بن مريم، و هذه الأطعمة تشهد لي، و أشار إليها، فولولت الصومعة، و قالت: نعم.

و كان اسمه برزيزا، فقام الشيخ عند ذلك، و قال: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم! ثم لطم برزيز على وجهه و سحبه بشعر رأسه. و أمر أصحابه، فضربوه و جرّوه حتى ظنوا أنه مات، جرّوه و طرحوه في المزبلة، و ظنوا أنه مات، و تفرق الناس، و انتظروا وقوع المصيبة بالشيخ بسبب ما فعل ببرزيز.

ثم إن الشيخ لما أخبر بعدم موته حمله إلى السجن و بقي مسجونا أربعة أشهر، حتى أرسل إلى الشيخ، و قال: إني تبت إلى اللّه، فأمر الشيخ بتسريحه، ثم غاب عن القصر سنين.

فبينما الشيخ يوما يمشي مع أصحابه خارج باب الوادي، فإذا برجل على عاتقه لوح [317] القراءة، فلما رأى الشيخ بادر يقبل يده و يقبل حافر/فرسه، فقال له: من أنت يا أخي؟

فقال: يا سيدي، أنا الرجل الذي أسلم على يدك، أنا برزيز، قال له الشيخ: عرّفنا قضيتك، فقال: كنت مع شيطان من الجن و اشترط علي أن أدعي النبوة و يأتيني بكل ما أريد، و يدخل في الجدران و الحيطان و يكلم الناس، و من اليوم الذي ضربتني لم أره و لا أتى إلي، و إني أتعلم العلم، و تبت إلى اللّه، و جئتك لآخذ عنك ديني؛ حيث منّ اللّه علي بالإسلام على يدك. فلازم الشيخ و صلح حاله و كان من خيار أصحابه.

ثم قال: و كان الشيخ يقرئ المذاهب الأربعة، و ينتصر لمذهب مالك. تولى رياسة العلم بفاس إلى أن مات بها في العشرة الأولى؛ يعني من القرن العاشر.

و من إنصافه-على جلالة قدره-أن رجلا وقف عليه و سلم عليه، فرد عليه السلام في مجلسه فسأله: من أين؟ فقال: من حضرة تلمسان، فسأله عن علمائها، فأثنى على السنوسي، و أخرج كراسة من جيبه فيهاصغراه، فناولها إياه.

الحضيكي · الصفحة ٥٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحضيكيص ٥٢٤